بحث متقدم
الزيارة
7531
محدثة عن: 2008/06/30
خلاصة السؤال
هل الدیانة الزرادشتیة دیانة الهیة؟
السؤال
هل الدیانة الزرادشتیة دیانة الهیة؟
الجواب الإجمالي

عندما نراجع کتاب" الغاثا" المنسوب الى زرادشت و نطالع ما فیه من التعالیم نرى ان ماهیة الدیانة الزرادشتیة ماهیة توحیدیة، لکن عندما نمعن النظر فی التعالیم التی طرحت فی "الافستا" نرى الثنویة واضحة فیها. و قد ظهرت تلک الثنویة لدى الزرادشتیین المتأخرین و عند "مانی"، من هنا اذا نظرنا الى التعالیم المطروحة فی الافستا و التی تشیر الى الثنویة نعرف ان الزرادشتیة ابتلیت بالانحراف عن جادة التوحید و لایمکن بحال من الاحوال ان نعدها من الدیانات التوحیدیة فعلا و ان کانت فی الاصل دیانة وحیانیة و ان نبیها مرتبط بالسماء و مبعوث من الله تعالى لکنها فی الحقیقة انحرفت عن تعالیم نبیها و ابتعدت عنها.

ثم اننا اذا رجعنا الى الروایات الواردة عن أهل البیت (ع) نراها تؤکد على کون الدیانة الزرادشتیة دیانة الهیة فی اصلها و بدایاتها لکنها تعرضت لانحراف عمیق و خطیر جداً بحیث ابتعدت عن التعالیم الاصلیة ابتعاداً کبیراً.

الجواب التفصيلي

یمکن القول ان الدیانة الزرادشتیة دیانة الهیة من خلال ملاحظة الامور التالیة:

1- ماهیة تعالیمها

2- تأیید القرآن الکریم لکونها دیانة وحیانیة

ماهیة تعالیم الدیانة الزرادشتیة

الف. ماهیة الدیانة الزرادشتیة

ان اغلب الباحثین فی الدیانة الزرادشتیة و المحققین فی هذا الشأن یذهبون الى ان الدیانة الزرادشتیة دیانة توحیدیة خالصة و ذلک انطلاقا من التعالیم التی وردت فی "الغاثا"[1]، نعم اسطورة الثنویة انما دخلت الى هذه الدیانة عن طریق "الافستا" و الزرادشتیین المتأخرین و عن طریق مذهب "مانی".

و فی الحقیقة ان اتباع الدیانة الزرادشتیة استطاعوا ان یحرفوا التوحید الخالص الذی جاء به زرادشت و استطاعوا تحویل الدیانة الزرادشتیة الى دیانة ثنویة تؤمن باکثر من إله شأنها شأن المسیحیة المحرفة.

من هنا یمکن القول ان الدیانة الزرادشتیة دیانة توحیدیة الهیة وحیانیة فی بدایة امرها و نشوئها، و الشاهد على ذلک التعالیم التوحیدیة التی جاءت فی کتاب "الغاثا"، لکن حصل الانحراف فی کتاب "الافستا" الکتاب المقدس للزرادشتیة حیث یظهر فیه و بجلاء الثنویة و تعدد الالهة، بل نظروا الى الروح کإله مستقل.[2]

من هنا الدیانة الحالیة المنسوبة الى زرادشت دیانة محرفة بعیدة عن التعالیم التی جاء بها زرادشت.

ب. التعالیم الاعتقادیة فی الدیانة الزرادشتیة

1- الله فی الدیانة الزرادشتیة

ان الله الذی جاء الحدیث عنه فی کتاب "الغاثا" هو اله واحد خالق العالم لایحده مکان و لازمان و لا یختص بشعب دون شعب، و فی "الغاثا" یعرف الله تعالى بانه العلم المطلق خالق جمیع الظواهر و موجدها عظیم رحیم عادل قادر على کل شیء، فلامکان فیها للاصنام و الاوثان و الاله الثانویة او المساعدة ان صح التعبیر.[3] الجدیر بالذکر ان "الغاثا" تنظر الى زرادشت بانه نبی الهی و موحد حقیقی یوحد الله توحیدا خالصا و یراه سبحانه مستحقا لکل انواع التکریم و التبجیل و الثناء و العبادة و الحب، فمن کلماته: "یا واهب الوجود! اسألک متواضعا، کیف یمکن لمحبک ان یعبدک حق عبادتک؟! یا نور العاشقین! قلبی ملیء بحبک، فهل لی ان انعم ببهائک و ان تنیر قلبی بنورک! الهی أعنی کی اکون صادقا و مستقیما".[4]

2- العالم فی الدیانة الزرادشتیة

تذهب الزرادشتیة الى ان العالم مخلوق لله تعالى و انه الحافظ له و المهین علیه و ان الکون کله مرتبط بالله تعالى بنحو لا یمکن لای ظاهرة او ای شیء ان یوجد بدون علمه و ارادته سبحانه، و ان الله (اهورا مزدا) خلق العالم لغایة اخلاقیة.[5]

3- الانسان فی الدیانة الزرادشتیة

تولی الدیانة الزرادشتیة الانسان منزلة عظیمة فترى ان الانسان یولد على الفطرة منزها من الذنوب و المعاصی على العکس تماما من المسیحیة التی ترى ان الانسان یولد مذنبا، کما تؤمن الزرادشتیة بان الانسان مختار و حر فی اختیار طریق الخیر او الشر.[6]

4- الحیاة الاخرى فی الدیانة الزرادشتیة

ان الدیانة الزرادشتیة شأنها شأن سائر الدیانات تعتقد بخلود الروح و ان الموت لا یعنی فناء الروح و ان الانسان سیجازى باعماله ان کانت صالحة فمصیره الى الجنة و ان کانت طالحة فمصیره الى النار،[7] ان التعالیم الواردة فی کتاب"الغاثا" تختلف عن تلک التعالیم الواردة فی کتاب "الافستا"، ان تعالیم کتاب الغاثا تشیر الى ان احد اصول الدیانة الزرادشتیة القدیمة هی[8] ان الانسان لابد ان یمر على الصراط (قنطرة القبول المسماة جینود) و اما العاصون و المذنبون فلا یستطیعون تجاوز تلک القنطرة، ثم تکون عاقة الصالحین الجنة و عاقبة المذنبین النار.[9]

کذلک یلاحظ ان الغاثا تشیر فی بعض الاحیان و بصورة غیر مباشرة الى عالم الآخرة.[10]

یرى الباحث الزرادشتی المعاصر ان خلود النفس و بقاء الانسان بعد الموت و ثواب المطیع و عقاب العاصی و المذنب من اسس و اصول الدیانة الزرادشتیة.

على کل حال یمکن القول ان جملة " العبور من قنطرة جینود" تظهر ان الدیانة الزرادشتیة تؤمن بالمعاد و الیوم الآخر.

القرآن و وحیانیة الدیانة الزرادشتیة

اطلق القرآن على اتباع الدیانة الزرادشتیة مصطلح " المجوس"[11] کما ان الروایات الواردة عن طریق أئمة اهل البیت (ع) تؤکد ان المجوس اصحاب کتاب و لهم نبی،[12] فالروایات تحکی ان البذور الاولى للدیانة الزرادشتیة بذور الهیة لکنها تعرضت للتحریف و التلاعب، فالروایات لا تشیر الى اکثر من کون الدیانة الزرادشتیة قد تعرضت للتحریف و التلاعب لا انها من الاساس دیانة باطلة و منحرفة.



[1] الغاثا مجموعة من الانشودات الشعریة تعود الى 3500 عام مضت تدور حول بیان اسلوب الحیاة المثلى. انظر: جلال الدین آشتیانی، زرادشت، نشر شرکة سهامی انتشار، طبع عام 1371هـ - ش، جلد 6. 

[2] انظر: دین شناسی تطبیقی "دراسات الادیان المقارنة" ص 107، و فی نفس الوقت نرى بعض الباحثین الزرادشتیین المعاصرین یحاولون تأویل ما جاء فی الافستا من التعالیم التی یظهر منها الثنویة تأویلاً فلسفیا و عرفانیا و اعطاءها نوعاً من المعقولیة کما یحاولون الدفاع عن کتابهم المقدس و یرون ان تعالیمه تعالیم توحیدیة خالصة.

[3] زرادشت، ص 122، دین شناسی تطبیقی "دراسات الادیان المقارنة"، ص107- 108.

[4] زرادشت، ص 133.

[5] دین شناسی تطبیقى "دراسات الادیان المقارنة"، ص 109-110.

[6] نفس بالمصدر، ص 110.

[7] نفس المصدر، ص 112.

[8] جاء هذه التعالیم فی ستة فصول و ما ذکرناه جاء فی الفصل السادس منها.

[9] ادیان آسیایی "الادیان الاسیویة"، ص 42- 43، نقلا عن کتاب سیری در ادیان زنده جهان "رحلة فی الدیانات العالمیة الحیة"، عبد الرحیم، سلیمانی اردستانی، ص 112.

[10] تاریخ التمدن "تاریخ الحضارة"، ص 246، و انظر:؛ دین شناسی تطبیقى "دراسات الادیان المقارنة"، ص 112.

 [11]"إِنَّ الَّذینَ آمَنُوا وَ الَّذینَ هادُوا وَ الصَّابِئینَ وَ النَّصارى‏ وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذینَ أَشْرَکُوا إِنَّ اللَّهَ یَفْصِلُ بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ شَهید". الحج، 17.

[12] العروسی الحویزی، عبد علی بن جمعة، نور الثقلین، قم، مطبعة الحکمة، ج 4، ص 475؛ الحر العاملی، وسائل الشیعة، ص 96؛ مکارم الشیرازی، ناصر، تفسیر نمونه، قم، دار الکتب الاسلامیة، ج 14، ص 46، ح 1361.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279852 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258218 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128610 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114497 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89274 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60471 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59968 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57121 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50650 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47450 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...