بحث متقدم
الزيارة
9870
محدثة عن: 2012/05/17
خلاصة السؤال
هل يوجد تعارض بين نظرية الفلاسفة في قدم العالم و بين حديث العماء المروي عن النبي الاكرم (ص)؟
السؤال
هل يوجد تعارض بين نظرية الفلاسفة في قدم العالم و بين حديث العماء المروي عن النبي الاكرم (ص)؟
الجواب الإجمالي

ينبغي وضع حديث العماء الى جانب حديث " كان الله و لم يكن شيء معه" الذي يستند الى اصل الوجود و يبين الحدوث الذاتي للعالم. و هذان الحديثان يشيران الى حقيقة واحدة مضمونها: كان الله و لم يكن شيء غيره معه، و ان الله كان في عماء ( اشارة الى مرتبة ما قبل التجلي) ثم أراد الله فخلق فاوجد العالم بارداته.

انظر تمام البحث في الجواب التفصيلي.

الجواب التفصيلي

الجذور التاريخية للبحث:

يضرب بحث الحدوث و القدم بجذوره في اعماق الفكر البشري من الفلسفة اليونانية و حتى العصر الاسلامي الذي قام فيه الفلاسفة المسلمون بتعديل و تطوير الكثير من النظريات الفلسفية حتى وصل الى القول بنظرية " الحدوث و القدم بالحق" التي اقتربت من نظرية التجلي للعرفاء، من هنا يمكن القول بان الحديث المروي عن النبي الاكرم (ص) لا يبتعد عن هذه النظرية بنحو ما.

و بعبارة أخرى: ان حقيقة بحث الحدوث و القدم إنما طرحت في الابحاث العرفانية، و أما ما طرحه البحث الفلسفي - الذي يبحث في الاصول العامة و الكليات- فهو يشابه - الى حد ما- ما طرحه الدهريون من دون ان يتمكنوا من الجمع بينه و بين ما تطرحه التعاليم الدينية في هذا المجال. من هنا نرى الاختلاف الشاسع بين بحث الازلية و التجلي و الوجود في العرفان و بين ما يطرحه الفلاسفة خاصة الدهريين منهم؛ و إن حاول ابن سينا و من بعده الملاصدرا ردم الهوة و نفي الاختلاف بينهما، بنحو يصح معه الجمع بين نظريتي القول بقدم العالم و حدوثه.

و لتوضيح المسألة نقول:

حاول ابن سينا بيان نظرية الفلاسفة في قدم العالم و التي يختلفون بها مع المتكلمين القائلين بحدوثه، من خلال طرح موضوع الحدوث و القدم الذاتي في مقابل الحدوث و القدم الزماني، مدعيا أن العالم حادث ذاتا و محتاج الى الى الخالق فهو ليس بقديم، و لكنه قديم زمانا، أو لا يمكن طرح فكرة الزمان بحقه أساساً.

ثم ان الملا صدرا حاول الاقتراب من العرفان بطرحه لنظرية "عين الربط" عارضاً رؤية جديدة لحدوث و قدم العالم اطلق عليها عنوان "الحدوث و القدم بالحق"، خلاصتها ان المعلول يعد عين الربط بالعلة، و ان العلة هي الوحيدة التي تتوفر على الاستقلال و الغنى الذاتي، و للوجود حدوث بالحق.

أما الرؤية العرفانية لهذه المسألة فتتمثل بنظرية "التجلي" و هي خارجة عن الزمان أولا، و ثانيا ان هناك مراتب و حضرات لتجلي الحق لكنها متفاوتة فيما بينها، و لكل مرتبة من حيث السعة الوجودية و الوحدة و الكثرة و... أحكام خاصة بها. المرتبة الاولى تتمثل في مرتبة العماء، ثم التجلي في الجبروت و الملكوت حتى عالم الزمان النجومي و المكان المادي.

و يظهر من هذه النظرية: أولا: ان تجلي الله تعالى يعني التبعية الكاملة له سبحانه و تنطوي في الوقت نفسه على الحدوث و القدم في ذاتها. و ثانيا: ان عالم الوجود له ابعاد و طبقات مختلفة كلها تمثل مراتب تجليات الباري تعالى. و على هذا الاساس تكون كل من مرتبة العماء و الجبروت و ...خارجة عن الزمان أساساً و غير حادثة زمانا. أما المراتب السفلى فهي عرضة للتغير و ان توفرت على منشأ لا يتغير.و في نفس الوقت جميع المراتب - بنحو عام- لها وجود في عين العدم، كالامواج و سطح البحر بالنسبة للبحر[1]. و هذه النظرية تختلف عن النظرية التي تذهب الى قدم عالم الظاهر. بل العرفاء يرون ظاهر العالم "صورة العدم" و" تجلي العماء" لا أنه وجود قديم. و بعبارة أخرى: لا علاقة للعارف بالحادث و لا يرى وجودا حقيقيا الا لله تعالى.

اتضح من خلال هذا البيان: اننا اذا اردنا ان نوجه نظرية الفلاسفة في قدم العالم لابد من حملها على النظرية التي طرحها العرفاء، و الا لا معنى للقول بقدم عالم الكون و الفساد. ثم ان جميع ما سوى الاله فان ٍ فلا يبقى – حسب النظرة القرآني- الا وجهه، او الوجهة الالهية للعالم الظاهر و التكثرات.

العلاقة بين بحث قدم العالم و حديث العماء[2]

ينبغي وضع حديث العماء الى جانب حديث " كان الله و لم يكن شيء معه" الذي يستند الى اصل الوجود و يبين الحدوث الذاتي للعالم. و هذان الحديثان يشيران الى حقيقة واحدة مضمونها: كان الله و لم يكن شيء غيره معه، و ان الله كان في عماء ( اشارة الى مرتبة ما قبل التجلي) ثم أراد الله فخلق فاوجد العالم بارداته.

و ليس أمامنا مفر في هذه القضية الا هذا التصور لخلق العالم لمقتضى توهم الزمان و المكان، و الحال ان المراد من القبلية القبلية الذاتية لله و بعدية التجلي الذاتي له سبحانه؛ لاننا لا نحمل أي تصوّر عن القبلية و البعدية من دون قيد الزمان، في الوقت الذي نعلم فيه بان البعدية الزمانية لا تصدق على افعال الله تعالى الذاتية؛ إذ لا معنى للزمان مع " كان الله و لم يكن شيء".

و لاريب انه من الصعب ادراك تلك الحقيقة من قبل الذهن المستأنس بالزمان و الذي لا يخرج من دائرته. من هنا جاء في ذيل الحديث " كان الله و لم يكن شيء معه" عن بعض العرفاء (و بعضم نسبه الى الامام علي –ع- ): " و ما زال كذلك"؛ يعني ان الله كان و لم يكن شيء و ما زال كائنا و لم يكن شيء معه؛ لان العارف لا يجد حقيقة قابلة للمشاهدة الا الله تعالى، و ما وجد بعد من الحوادث لا يستحق نسبة الوجود اليه. و هذا الكلام يشبه حديث العماء؛ بمعنى أن العارف لا يرى في الاشياء – غير الله- الا بعدها العمائي. فالقبلية و القدم تعني الرتبة و كل ما هو حاضر.

لمزيد الاطلاع انظر:

15689 (الموقع: ar15420) الله قبل خلق العالم .

11013 (الموقع: 10838) ربط الحادث و القدیم و المادة الاولی لخلق العالم.

 


[1] هذا مجرد تشبيه.

[2] حول البحث عن حديث عالم العماء، انظر: السؤال 11013 (الموقع: 10838) في موقع اسلام کوئیست.

 

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل یصح أن یکون لنا أمل فی النجاة من عذاب یوم القیامة؟
    8614 العملیة 2010/07/15
    ما یمکن التوصل إلیه من خلال التعالیم الدینیة بأن الأمل برحمة الله و الخوف من عذابه خصصیتان تکمل إحداهما الأخرى، و یجب أن تتساوى کفتاهما فی نفس المؤمن، بمعنى أن المؤمن لا بد أن یکون على أملٍ کبیر برحمة الله من خلال أداء الواجبات و الامتناع عن ...
  • ما هی قصة ذبح عبد الله والد النبی (ص)؟
    6851 تاريخ بزرگان 2011/10/16
    الواقعة هی: إن عبد المطلب کان قد دعا الله عز و جل أن یرزقه عشرة بنین و نذر لله عز و جل أن یذبح واحدا منهم متى أجاب الله دعوته فلما بلغوا عشرة أولاد قال: قد وفى الله لی فلأفین لله عز و جل. فأدخل ولده الکعبة و أسهم بینهم ...
  • هل ان ابقاء العلکة تحت اللسان فی اثناء الصلاة فیه اشکال؟
    6144 الحقوق والاحکام 2009/11/11
    یقول الإمام الخمینی(قد) و باقی المراجع العظام:ابتلاع اجزاء الطعام المتبقّیة فیما بین الأسنان لایوجب بطلان الصلاة، و لکن إذا بقی القند أو السکّر و ما شابه ذلک فی الفم و ذاب بالتدریج اثناء الصلاة فابتلعه فإن فی صلاته اشکالاً.[1]
  • ما هو الایمان؟
    10587 الکلام الجدید 2007/08/22
    الایمان هو التعلق النهائی للانسان بالامور المعنویة التی یعتبرها مقدسة و یکون مستعداً لاظهار العشق و الشجاعة لأجلها.و للایمان فی القرآن جناحان: العلم و العمل، فالعلم لوحده یمکن ان یجتمع مع الکفر أیضاً، و العمل و حده یمکن ان یجتمع مع النفاق.و قد وجدت ثلاث نظریات حول حقیقة ...
  • من هی آسیة بنت مزاحم و کیف اصبحت أسوة للمؤمنین؟
    7177 تاريخ بزرگان 2010/12/01
    تعتبر آسیة بنت مزاحم بن الریان بن الولید فرعون یوسف الأول من النساء اللاوتی بلغن الذروة فی الایمان و الورع و کان من اهم ممیزات هذه المرأة انها قد جعل الله تعالى قضیة حفظ النبی موسى علیه السلام من شر فرعون؛ ولم یکن هذا کل ما قامت به، ...
  • هل ان مشاهدة السحر و مطالعة البحوث التی تتحدث عنه محرم او لا؟
    8754 الحقوق والاحکام 2008/02/19
    لقد حرم الاسلام السحر و اخذ الاجرة علیه، لکن أستثنی من ذلک حالة تعلمه من اجل ابطاله، اما النظر الى عمل السحرة او مشاهدة ذلک عن طریق التلفاز او القراءة عنه و عن الشعبذة فی الکتب و المجلات اذا لم یکن من اجل تعلمه فلا اشکال فیه، الا انه قد ...
  • ما هو موقف الأئمة و العلماء من الشعر؟
    7740 الحقوق والاحکام 2010/05/30
    قد یتوهم البعض ان الاسلام یقف موقف الضد من الشعر و الشعراء و لکن هذا توهم واضح.لا شک أن الذوق الشعری و الفن الشاعری کسائر رؤوس الأموال، له قیمته فی صورة ما لو استعمل استعمالا صحیحا و له أثر إیجابی ... إلّا أنّه إذا صار وسیلة تخریب و هدم ...
  • کیف یعلم الله بعمل الإنسان قبل أن یصدر عنه؟
    6141 الکلام القدیم 2009/10/22
    إن ما یثیر مثل هذا السؤال فی أذهاننا هو عدم الفهم الصحیح لعلاقة الله تعالى بالزمن. إن الله سرمدی و لیس زمانیاً. أی أن الله محیط بالزمان و لیس محدوداً به. و من الخطأ أساساً أن یقال کیف یکون لله علم بالمستقبل فی زمن سابق على وقوعه. لأنه لا وجود ...
  • هل یوجد تناقض بین حالة أمیر المؤمنین علی (ع) حین أعطى خاتمه للسائل، و حالة إخراج السهم من رجله دون ان یشعر به؟
    8268 درایة الحدیث 2007/09/10
    یمکن الإشارة فی الجواب إلی النکات التالیة:1. ان للانسان قدرة و استعداداً لأن یکتسب الکمالات عن طریق أداء الأعمال التی فرضها الله تعالی، و یصل إلی محل یکون حاصلاً علی جمیع الکمالات فینال مقام الانسان الکامل.2. ان نیل مقام الانسان الکامل لیس معناه أن تکون جمیع حالات الانسان ...
  • ما هی رؤیة الاسلام لمسالة التله باتی؟
    6998 الحقوق والاحکام 2009/02/18
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283538 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265949 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132420 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122486 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92224 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65203 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64231 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59353 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55914 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52494 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...