بحث متقدم
الزيارة
5397
محدثة عن: 2012/02/02
خلاصة السؤال
هل المقصود من ( وَمِن ذُرِّیَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً) نبینا الأکرم محمد (ص) و أمته؟ و ما معنى (وَأَرِنَا مَنَاسِکَنَا)؟
السؤال
قال تعالى فی کتابه الکریم: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَیْنِ لَکَ وَمِن ذُرِّیَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّکَ وَأَرِنَا مَنَاسِکَنَا... }البقرة128: ألف. هل المقصود من قوله تعالی ( وَمِن ذُرِّیَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً) نبینا الأکرم محمد (ص) و أمته؟ ب.و ما معنى(وَأَرِنَا مَنَاسِکَنَا)؟
الجواب الإجمالي

تعرض القرآن الکریم لنقل الکثیر من القصص التی مر بها و الادعیة التی دعا بها (ع)، منها الدعاء الذی تلاه بعد الانتهاء من بناء الکعبة المشرفة: " رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَکَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَکَ وَ أَرِنا مَناسِکَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّکَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحیمُ". و قد قع البحث بین المفسرین حول المراد من کل من "و من ذریتنا أمة مسلمة" و قوله " أرنا مناسکنا".

فذهب طائفة من المفسرین الى القول بان المراد من الأمة المسلمة عدد من ذریة إبراهیم (ع) خاصة. و ذهب فریق آخر الى القول بانها تعنی النبی الاکرم (ص) و أهل بیته (ع) لا مطلق ذریة إبراهیم الصالحین.

کذلک اختلفت کلمتهم فی بیان المراد من أرنا مناسکنا، فمنهم من ذهب الى القول بان المراد منها: أن إبراهیم (ع) طلب من الله تعالى أن یعرفه مناسک الحج و غیرها من العبادات لیقوم بها على وجهه. و ذهب العلامة الطباطبائی الى القول بان المراد منها لیس معرفة المناسک و إنما المراد بمناسکنا هی الأفعال العبادیة الصادرة منهما و الأعمال التی یعملانها دون الأفعال، و الأعمال التی یراد صدورها منهما، فلیس قوله: "أرنا" بمعنى علمنا أو وفقنا، بل التسدید بآرائه حقیقة الفعل الصادر منهما.

الجواب التفصيلي

1. هل المقصود من قوله تعالی ( وَمِن ذُرِّیَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً)

یحظى النبی إبراهیم (ع) فی اوساط الدیانات الالهیة الکبرى ( الاسلام و المسیحیة و الیهودیة) بمنزلة خاصة و اهتمام کبیر جداً، لما توفرت علیه تلک الشخصیة من عظمة و کونه من زمرة الانبیاء الذین تعرضوا لاختبارات صعبة جداً استطاع تجاوزها و الخروج منها بنجاح تام، بالاضافة الى الاعمال الجلیلة التی قام منها کبناء الکعبة، مما صنع منه رمزاً دینیا کبیراً و أسوة للموحدین، حتى قال القرآن الکریم بحقه: " وَ مَنْ یَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهیمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَیْناهُ فِی الدُّنْیا وَ إِنَّهُ فِی الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحین‏".[1]

و قد تعرض القرآن الکریم لنقل الکثیر من القصص التی مر بها و الادعیة التی دعا بها (ع) منها الدعاء الذی تلاه بعد الانتهاء من بناء الکعبة المشرفة: " رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَکَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَکَ وَ أَرِنا مَناسِکَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّکَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحیمُ".[2]

و سنحاول هنا استعراض الآراء التی طرحت لبیان المراد من قوله " وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً" و هل المراد منها خصوص النبی الاکرم (ص) و اهل بیته (ع)؟ أو هم من مصادیق الأمة المسلمة التی دعا بها إبراهیم (ع)؟

الجدیر بالذکر أن کلمة « مِنْ » للتبعیض خصت بعض ذریة إبراهیم.[3] و هم الصالحون. أی و اجعل بعض ذرّیّتنا أُمَّةً: جماعة یأمّون، أی یقصدون و یقتدى بهم مُسْلِمَةً لَکَ، و لا یشمل جمیع ذریة إبراهیم (ع).[4]

و یبقى السؤال عن السبب الذی جعل إبراهیم (ع) یدعو لبعض ذریته و لم یعم الجمیع بهذه النعمة الالهیة؟ لعل ذلک یکمن فی استحالة –عادة- کون جمیع الأمة مؤمنة، و لأنه تعالى أعلمه بأن فی ذریته الظالم بقوله تعالى: "لا یَنالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ".[5] و أن فی ذریته من لا یناله العهد الالهی لما یرتکبه من الظلم.[6] فیکون عنوان الأمة المسلمة منطبقا على عدد من ذریة إبراهیم (ع) خاصة. و قیل المراد بالأمة أمة محمد (ص).[7]

و هناک من یذهب الى کون المراد من الامة المسلمة خصوص النبی الاکرم (ص) و أهل بیته (ع).[8] و یشهد قوله تعالى: " رَبَّنا وَ ابْعَثْ فیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِکَ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ یُزَکِّیهِمْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزیزُ الْحَکیمُ"[9] الذی یقصد به النبی الاکرم (ص).[10] و بهذا یتضح بان المراد من الآیة التی سبقتها، النبیُ الاکرم (ص) و الامة الاسلامیة. و على أی حال الآیة تشمل بنحو القطع و الیقین النبی (ص) و الائمة الاطهار (ع).

2. تفسیر «أَرِنَا مَنَاسِکَنَا»

طرح المفسرون نظریین تبین المراد من  «أَرِنَا مَنَاسِکَنَا»

الأولى: ان المراد من طلب إبراهیم (ع): عرفنا بمناسک الحج و غیرها من العبادات لنقوم بها على وجهه.[11] یعنی أنه (ع) بعد أن أتم بناء الکعبة طلب من ربّه أن یشرع له و یبین لهم اعمال الحج و سائر العبادات لیقوموا بادائها على الاوجه الاکمل المرضی لله تعالى.

الثانیة: قال العلامة الطباطبائی (ره): قوله تعالى: "وَ أَرِنا مَناسِکَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّکَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ"، یدل على ما مر من معنى الإسلام أیضا، فإن المناسک جمع منسک بمعنى العبادة، کما فی قوله تعالى:  «وَ لِکُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَکاً»: الحج- 34، أو بمعنى المتعبد، أعنی الفعل المأتی به عبادة، و إضافة المصدر یفید التحقق، فالمراد بمناسکنا هی الأفعال العبادیة الصادرة منهما و الأعمال التی یعملانها دون الأفعال، و الأعمال التی یراد صدورها منهما، فلیس قوله: "أرنا" بمعنى علمنا أو وفقنا، بل التسدید بآرائه حقیقة الفعل الصادر منهما، کما أشرنا إلیه فی قوله تعالى: «وَ أَوْحَیْنا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الْخَیْراتِ، وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِیتاءَ الزَّکاةِ»: الأنبیاء- 73، و سنبینه فی محله: أن هذا الوحی تسدید فی الفعل، لا تعلیم للتکلیف المطلوب، و کأنه إلیه الإشارة بقوله تعالى: «وَ اذْکُرْ عِبادَنا إِبْراهِیمَ، وَ إِسْحاقَ، وَ یَعْقُوبَ، أُولِی الْأَیْدِی وَ الْأَبْصارِ. إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِکْرَى الدَّارِ»: ص- 46.

فقد تبین أن المراد بالإسلام و البصیرة فی العبادة، غیر المعنى الشائع المتعارف، و کذلک المراد بقوله تعالى: "وَ تُبْ عَلَیْنا"، لأن إبراهیم و إسماعیل کانا نبیین معصومین بعصمة الله تعالى، لا یصدر عنهما ذنب حتى یصح توبتهما منه، کتوبتنا من المعاصی.[12]

 

[1] البقرة، 130.

[2] البقرة، 128.

[3] فخرالدین الرازی، ابوعبدالله محمد بن عمر، مفاتیح الغیب، ج ‏4، ص 54، دار احیاء التراث العربی، بیروت، الطبعة الثالثة، 1420ق.

[4] انظر: الفیض الکاشانی، ملا محسن، الأصفى فی تفسیرالقرآن، ج ‏1، ص 66، مکتب الاعلام الاسلامی، قم، الطبعة الاولی، 1418 ق؛ الطبرسی، فضل بن حسن، مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج 1، ص393، انتشارات ناصر خسرو، طهران، الطبعة الثالثة، 1372ش.

[5] البقرة، 124.

  [6]  انظر: مفاتیح الغیب، ج ‏4، ص 54 ؛ مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج 1، ص 393.

[7] البضاوی، عبدالله بن عمر، أنوار التنزیل و أسرار التأویل، ج 1، ص 106، دار احیاء التراث العربی، بیروت، الطبعة الاولی، 1418ق.

[8] صادقی الطهرانی، محمد، البلاغ فی تفسیر القرآن بالقرآن، ص 20، الناشر المؤلف، قم، الطبعة الاولی، 1419 ق.

[9] البقرة، 129.

[10] انظر: الطباطبائی، سید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج ‏1، ص 286، مکتب الاعلام الاسلامی، قم، الطبعة الخامسة، 1417ق.

[11] مغنیة، محمد جواد، التفسیر المبین، ص 25، بنیاد بعثت، قم؛ مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج ‏1، ص 39.

[12] المیزان فی تفسیر القرآن، ج ‏1، ص 284.

 

التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279258 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    256561 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    127958 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    112395 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    88828 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    59391 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59249 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56766 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    49049 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47037 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...