الزيارة
5174
محدثة عن: 2008/07/29
خلاصة السؤال
ما هی العلاقة بین العرفان و معرفة النفس؟
السؤال
ما هی العلاقة بین العرفان و معرفة النفس؟
الجواب الإجمالي

یقسم العرفان إلى قسمین نظری و عملی، و أن أبحاث کلا القسمین ترتبط ارتباطاً وثیقاً بالنفس. لأن فی العرفان النظری یبحث فی شهود الحق من جانب، و من جانب آخر فإن النفس هی المظهر الأکمل للحق، و أن شهود الحق یحصل من خلال تزکیة النفس و تنقیتها من العیوب و قربها من الحق تعالى.

یقول الرسول الأکرم (ص): "من عرف نفسه عرف ربه".

و أما ارتباط معرفة النفس بالعرفان العملی الذی یمثل معرفة السلوک و المجاهدة العملیة من أجل تحریر النفس و إطلاقها من قیودها فواضح و جلی. إذن من الممکن القول بأن معرفة النفس من أهم المسائل و الموضوعات التی تدخل فی هیکلیة العرفان الإسلامی.

الجواب التفصيلي

یقسم العرفان إلى قسمین عملی و نظری، و إن أبحاث کلا القسمین لها ارتباط وثیق بمعرفة النفس. یبدأ العارف فی العرفان النظری بتفسیر الوجود، و إنه یعرض تصوره فی عدة مسائل کالخالق سبحانه و العالم و الإنسان، و فی الواقع فإن العرفان النظری یشکل القاعدة و الأساس للبحث العلمی و النظری بالنسبة إلى العرفان العملی[1].

و بعبارة أخرى عند ما یحلل العرفان النظری أبعاد وجود الإنسان و العالم و یدرک حقیقة فلاح الإنسان بتمام معنى الإدراک، فإن العرفان العملی یقول: لا بد من العمل طبقاً لهذا المبدأ، و إذا کان الواقع على هذه الکیفیة فلا بد من التحرک طبقاً للمسار الذی حدده العرفان النظری و تنظیم العمل على هذا الأساس[2].

قالوا فی تعریف العرفان النظری: "العرفان هو العلم بالحق سبحانه من حیث الأسماء و الصفات و المظاهر و العلم بأحوال المعاد و بحقائق العالم و کیفیة رجوع تلک الحقائق إلى الحقیقة الواحدة المتمثلة بذات الحق الأحدیة»[3].

و أما بالنسبة إلى تعریف النفس فقد قالوا فیه: «النفس جوهر بسیط روحانی حی بذاته عالم بالقوة و فاعل بالطبع، و هی صورة من صور العقل الفعال»[4].

و إن حقیقة الإنسان (النفس)لطیفة ربانیة، بعدیها الجسمانی و الروحانی یمثلان مظهراً من مظاهر تلک الحقیقة[5]، فالنفس أکمل مظهر من مظاهر الحق تعالى، و قد قال الرسول الأکرم (ص): "من عرف نفسه فقد عرف ربه"[6]. فالعرفان فی هذا الحدیث ولید معرفة النفس، و على أساس ما تقدم من بیان و إیضاح تتجلى العلاقة بین العرفان النظری و معرفة النفس.

و أما العرفان العملی فهو قسم من العرفان یعنى بتوضیح علاقات الإنسان و واجباته تجاه نفسه و العالم و الله سبحانه.

و یتکفل العرفان العملی بیان الطریق العملی الذی ینبغى للسالک أن یسیر علیه لیصل إلى قمة الإنسانیة المنیعة و المتمثلة بالتوحید، حیث یرسم للسالک نقطة البدایة و المراحل التی یتخطاها، و ما یعترض النفس فی المسالک و المسافات الفاصلة بین المراتب، إنه یحدد نقطة البدایة ثم مراحل الطریق انتهاءً بالمقصد النهائی. و فی اعتقاد العرفاء أن الوصول إلى الهدف النهائی لا یکون ممکناً إلا بعد طی المراحل و المنازل السابقة، أی أن العلاقة بین المقامات و المنازل من قبیل العلاقة بین العلة و المعلول، أی أن الوصول إلى المرتبة المتأخرة محال دون تجاوز المنزل السابق[7].

و من البدیهی أن الإطلاع على هذه الشروط و الترتیب الدقیق و الظریف للمراتب منوط بالمعرفة الدقیقة للنفس، و لذلک استحوذ "علم النفس"الذی یبحث عنه فی الکتب الفلسفیة و العرفانیة على مساحة واسعة من الأبحاث الفلسفیة و العرفانیة الإسلامیة[8].

یقول العرفاء فی هذا الصدد: إن روح الإنسان و نفسه کالشجرة التی یکون نموها بحسب برنامج خاص تطوى مرحلة فمرحلة حتى تصل إلى کمالها النهائی، و هذا هو المطلب الذی تتابع فیه النفس رشدها و تکاملها عملیاً فی دائرة العرفان العملی.

و أما فی میدان العرفان النظری فالاهتمام منصب على تحلیل النفس بشکل دقیق و أن نفس الإنسان ـ و کأی موجود آخر ـ تخضع لقانون و نظام خاص فتارة تکون راغبة مقبلة، و تارة تکون مدبرة یعتریها السأم و الملل و أحیاناً تکون طاغیة عاصیة، فلابد من معرفتها معرفةً جیدة للتعامل معها على أساس هذه المعرفة، تماماً کما نتعامل مع الفرس الشموس الجامح لنجعل منه ألیفاً مروضاً.

و من هنا فقد ورد فی بعض تعاریف العارف: الصوفی (العارف) هو الذی یکون فی سعیٍ دائم و مستمر لتهذیب النفس و تزکیتها[9].و صفاء القلب و تجلی الروح[10].

فإذا عرفنا العرفان بالقول: "إنه معرفة الطریق و السلوک و المجاهدة من أجل تحریر النفس من قیود الجزئیة و أواصرها و ربطها بمبدئها لتتصف بالإطلاق و الکلیة"[11]. یکون من الواضح جداً أن إطلاق النفس من الجزئیة و ربط الإنسان بالمبدأ الأعلى لا یکون ممکناً إلا من خلال معرفة النفس فقط.

یقول الامام علی (ع): "العارف من عرف نفسه فاعتقها و نزّهها عن کل ما یبعدها و یوبقها"[12].

فالنفس إذاً مسألة مهمة من مسائل العرفان، و کما أن العلاقة موجودة بین العلم و إحدى مسائله، فالعلاقة قائمة بین العرفان و النفس.

 و من اللازم أن نذکر أن العرفان یستفید من طریق الشهود و هو طریق القلب، و قد قیل أن إثبات النفس و العلم بها یستفید من هذا الطریق فقط.

یعتقد عرفاء الإسلام و حکماؤه أن العلم بالنفس علم حضوری، و إذا لم یشهد الإنسان نفسه بالعلم الحضوری فلا یوجد سبیل آخر لإثباتها و معرفتها[13]. و قد أقام الشیخ شهاب الدین السهروردی البرهان على أن معرفة النفس حضوریة فی کتابه «حکمة الإشراق» و أنه لا سبیل إلى تلک المعرفة بالعلم الحصولی[14].

و نتیجة هذین البرهانین هی أن الإنسان غیر قادر على معرفة نفسه عن طریق أفعالها و آثارها، لیس ذلک و حسب و إنما یعجز عن معرفتها بواسطة أی مفهوم ذهنیٍ آخر. بل إن حقیقة وجود الإنسان و سائر شؤونه و ما یتعلق بهذه الحقیقة لا یمکن أن یعرف إلا من خلال الشهود العرفانی[15]. و ما یعتمد علیه علم النفس المعاصر من آثار خارجیة للنفس و السلوک الإنسانی إنما یمثل بعضاً من ردود الأفعال للنفس و الروح، و أما بالنسبة إلى ماهیة النفس و الروح و حقیقتها، فلا یمکن معرفتها إلا عن طریق الکشف العرفانی[16]. و لذلک یعتقد بعض المعاصرین من علماء النفس أن علم النفس المعاصر هو فی الواقع علم "معرفة السلوک" و لیس له أی ارتباط و علاقة بمعرفة الروح[17].

للاطلاع: یمکن الرجوع إلى دروس معرفة النفس، آیة الله حسن زادة آملی، ص 529 ـ 531 و 603.



[1] مطهری، مرتضى، معرفة العلوم الإسلامیة (الکلام، العرفان، الحکمة العملیة) ج 2، ص 89.

[2] للاطلاع الأکثر، انظر: موضوع: العرفان النظری و العرفان العملی، سؤال 239.

[3] قیصری، داود، رسالة التوحید و النبوة و الولایة، الفصل الأول؛ السهروردی، شهاب الدین، عوارف المعارف، ترجمة عبد المؤمن الأصفهانی، الباب الخامس؛ الیثربی، السید یحیى، العرفان النظری القسم الثانی، الفصل الأول؛ الیثربی، یحیى، العرفان العملی فی الإسلام، ص 19و 20.

[4] ناصر خسرو، جامع الحکمتین، ص 89، نقلاً عن الدکتور السید جعفر السجادی، رالثقافة الإسلامیة، ج 4، ص 469 و 470.

[5] المصادر السابقة؛ الیثربی، السید یحیى، العرفان العملی فی الإسلام، ص 128 و 129؛ الیثربی، السید یحیى، العرفان النظری، ص 269.

[6] القمی، عباس، سفینة البحار، ج 2، مادة نفس.

[7] مطهری، مرتضى، معرفة العلوم الإسلامیة (الکلام، العرفان، الحکمة العملیة) ج 2، ص 85 و 87.

[8] مطهری، مرتضى، عرفان حافظ، ص 12 و 13.

[9] انظر: السؤال رقم 400.

[10] السهروردی، شهاب الدین، عوارف المعارف، ترجمة عبد المؤمن الأصفهانی، الباب الخامس.

[11] قیصری، داود، رسالة التوحید و النبوة و الولایة، الفصل الأول؛ السهروردی، شهاب الدین، عوارف المعارف، ترجمة عبد المؤمن الأصفهانی، الباب الخامس؛ الیثربی، السید یحیى، العرفان النظری القسم الثانی، الفصل الأول؛ الیثربی، السید یحیى، العرفان العملی فی الإسلام، ص 19و 20.

[12]آمدی، غرر الحکم و درر الکلم، نقلاً عن حسن زادة آملی، مجموعة مقالات، ص 154.

[13] جوادی آملی، المعرفة و الإدراک فی القرآن الکریم، ص 308 و 309.

[14] المصدر نفسه، ص 310.

[15] المصدر نفسه، ص 312.

[16] الشرقاوی، محمد، الأخلاق و الصحة النفسیة فی الإسلام، ترجمة الدکتور سید محمد باقر حجتی، ص 51.

[17]  العظیمی، سیروس، علم النفس العام، ص1؛ نجاتی، محمد عثمان، القرآن الکریم و علم النفس، ترجمة عباس عرب، ص 23 و 24.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    257317 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    98912 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    97491 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    61749 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    43507 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    35469 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    34561 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    34448 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    32096 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    29724 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...