بحث متقدم
الزيارة
5417
محدثة عن: 2012/06/06
خلاصة السؤال
لماذا تتعارض الاحاديث في بيان مصاديق شر الناس و خيرهم؟ أ لا ينحصر ذلك بفريق خاص عند الله تعالى؟
السؤال
لماذا تتعارض الاحاديث في بيان مصاديق شر الناس و خيرهم؟ أ لا ينحصر ذلك بفريق خاص عند الله تعالى؟
الجواب الإجمالي

المتأمل في تلك الروايات بطوائفها المختلفة التي تذهب كل واحدة منها الى اعتبار صنف من الناس هو شر الناس، يجد انها لا تروم تحديد مصداق شر الناس و حصره بصاحب الصفة المذكورة في الرواية فقط، بل غاية ما تروم بيانه هو أن تلك الصفات الاخلاقية الذميمة تجعل صاحبها يقف في مصاف شر الناس، أضف الى ذلك ان عنوان "شر الناس" هو الآخر له مراتب كثيرة، فاذا توفر الانسان على عدة خصال ذميمة فلاريب سيكون مصداقا بارزاً لعنوان شر الناس، خلافا لمن يتصف بواحدة منها فقط، فصفة شر الناس صفة نسبية تختلف من شخص الى آخر.

و يمكن الاشارة الى مؤيد لهذه المعالجة، و هو الحديث المروي عن النبي الاكرم (ص) الذي جاء فيه: " خير الناس من انتفع به الناس و شر الناس من تأذى به الناس و شر من ذلك من أكرمه الناس اتقاء شره و شر من ذلك من باع دينه بدنيا غيره".حيث اشار الحديث الى شر الناس ثم أردفه بالقول " و شر من ذلك" الذي يكشف لنا بان عبارة شر الناس لا تعني الدرجة النهائية للشريّة و الا انحصارها بصفة خاصة فقط.

الجواب التفصيلي

المطالع للحديث المروي في مصادر المسلمين يجد التعبير "بشر الناس" فيها كثيرا، إلا ان كل حديث يطبق العنوان على صنف خاص من الناس، من تلك الاحاديث:

1. روي عن رسول الله (ص) أنه قال: " شر الناس من يقرأ القرآن و لا يرعوي عن شي‏ء به".[1]

2. و عنه (ص) أيضا: " إِنَّ شرَّ النَّاس الذي يُكرمُ اتِّقَاءً لشرِّهِ".[2]

3. و عنه (ص): " إن شرار الناس يوم القيامة المثلث قيل و ما المثلث يا رسول الله قال الرجل يسعى بأخيه إلى إمامه فيقتله فيهلك نفسه و أخاه و إمامه".[3]

4. و عن الامام الرضا (ع) مخاطبا علي بن شعيب: " يا علي إن شر الناس من منع رفده و أكل وحده و جلد عبده" .[4]

5. وعن النبي الاكرم (ص): " َ شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ النَّاسَ".[5]

6. و عنه (ص): " يا أبا ذر، إن شر الناس عند الله (تعالى) يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه‏".[6]

7. و عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: " شر الناس من لا يعفو عن الزلة و لا يستر العورة".[7]

8. و عنه (ع): " شر الناس من لا يثق بأحد لسوء ظنه و لا يثق به أحد لسوء فعله".[8]

و هناك طائفة أخرى ورد فيها التعبير بـ " من شر الناس" او ما شابه ذلك:

1. عن النبي الاكرم (ص): " من قال إني خير الناس فهو من شر الناس‏".[9]

2. و عنه (ص): " إن من شر الناس عند الله عز و جل يوم القيامة ذا الوجهين".[10]

و هنا يطرح السؤال التالي: أي رذيلة هي التي تودي بصاحبها بأن يكون مصداقا لشر الناس؟

و للاجابة عن السؤال لابد من التركيز أولا على أن فهم المتون الدينية لا يمكن الاعتماد فيه على الترجمة الحرفية لها، بل لابد من المقارنة بينها و بين العبارات المماثلة لها في الآيات و الروايات الاخرى، فعلى سبيل المثال نقرأ في الكتاب الكريم في وصف الهدهد لعظيم سلطان بلقيس ملكة سبأ «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ء»؛[11]  فهل يصح الاعتراض على التعبير المذكور مع اننا نعتقد جازمين انها ما كانت تملك الكثير من الامور، بل لم يصل سلطانها الى ما وصل اليه سلطان النبي سليمان (ع) نفسه  الذي سخرت له الرياح و علّم منطق الطير و...؛ و ذلك لانه يقال حينئذ بان لا يراد "من كل شيء" في اللغة العربية كل شيء حصرا و استقراء بل المراد منه " من كل شيء".

بعد هذه المقدمة نعود للاجابة عن السؤال المطروح:

المتأمل في تلك الروايات بطوائفها المختلفة التي تذهب كل واحدة منها الى اعتبار صنف من الناس هو شر الناس، يجد انها لا تروم تحديد مصداق شر الناس و حصره بصاحب الصفة المذكورة في الرواية فقط، بل غاية ما تروم بيانه هو أن تلك الصفات الاخلاقية الذميمة تجعل صاحبها يقف في مصاف شر الناس، أضف الى ذلك ان عنوان "شر الناس" هو الآخر له مراتب كثيرة، فاذا توفر الانسان على عدة خصال ذميمة فلاريب سيكون مصداقا بارزاً لعنوان شر الناس، خلافا لمن يتصف بواحدة منها فقط، فصفة شر الناس صفة نسبية تختلف من شخص الى آخر.

انطلاقا من هذه الرؤيا يمكن حل التعارض الذي يبدو لأول وهلة، و لا يبقى تعارض في البين قطعاً، و يمكن الاشارة الى مؤيد لهذه المعالجة، و هو الحديث المروي عن النبي الاكرم (ص) الذي جاء فيه: " خير الناس من انتفع به الناس و شر الناس من تأذى به الناس و شر من ذلك من أكرمه الناس اتقاء شره و شر من ذلك من باع دينه بدنيا غيره".[12]حيث اشارت الرواية الى شر الناس ثم أردفته بالقول " و شر من ذلك" الذي يكشف لنا بان عبارة شر الناس لا تعني الدرجة النهائية للشريّة و الا انحصارها بصفة خاصة فقط.

 


[1] الدیلمي، حسن بن أبي الحسن، أرشاد القلوب، ج 1، ص 79، منشورات الشریف الرضی، قم، 1412 ق.

[2] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 72، ص 206، مؤسسة الوفاء، بیروت، 1404 ق.

[3] الشیخ المفید، الإختصاص، ص 228، مؤتمر الشیخ المفید، قم، 1413 ق.

[4] الحراني، حسن بن شعبة، تحف العقول، ص 448، منشورات جماعة المدرسین، قم، 1404 ق.

[5] الکلیني، محمد بن یعقوب، الکافي، ج 5، ص 114، ح 4، دار الکتب الإسلامیة، طهران، 1365 ش.

[6] الشیخ الطوسي، الأمالي، ص 527، منشورات دار الثقافة، قم، 1414 ق.

[7] الآمدي التمیمي، عبد الواحد، غرر الحکم و درر الکلم، ص 245، ح 5016، منشورات مکتب الاعلام الاسلامي، قم، 1366 ش.

[8] المصدر، ص 263، ح 5675.

[9] الراوندي، سید فضل الله، النوادر، ص 11، مؤسسة دار الکتاب، قم.

[10] الشیخ الصدوق، الخصال، ج 1، ص 38، ح 17، منشورات جماعة المدرسین، قم، 1403 ق.

[11] النمل، 23.

[12] الشیخ المفید، الإختصاص، ص 243.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    261799 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    136468 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    104098 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100980 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    48423 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46728 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    43245 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    37377 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35627 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    34482 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...