بحث متقدم
الزيارة
4721
محدثة عن: 2008/04/17
خلاصة السؤال
ما هو مصدر الذات الإنسانیة و ما هو تأثیر هذه الذات على تصرفات الإنسان؟
السؤال
ما هو مصدر و مبدأ الذات الإنسانیة؟ هل هی موجودة قبل نفخ الروح، أو توجد عندما یکون الإنسان جنیناً أم بعد ولادة الإنسان؟ و ما مدى تأثیر الذات على تصرفات و أعمال الإنسان؟
الجواب الإجمالي

حسب رأی الحکمة المتعالیة، فإن الذوات کانت موجودة إبتداءً بصورة غیر معینة و غیر مشخصة، و من ثم تتشخص بالتکوّن المادی و بعد ذلک تبقى بصورة فردیة.

تشمل الذات جنبتی الإنسان المادیة و المعنویة و ترافق الإنسان منذ بدء وجوده، و یطلق عادةً على الجانب المادی للذات الإنسانیة بالطبیعة أو الطینة، و یطلق على الجانب الروحی و المعنوی لها، بالفطرة.

إن ذوات الإنسان من الممکن أن تکون منشأ لتبلور و نشوء الأفکار أو الدوافع عند الإنسان، و یکون تأثیرها فی أفعال الإنسان على نحو المقتضی، و لیس على نحو العلة التامة لهذه الأفعال و السالبة للاختیار.

الجواب التفصيلي

إن الـ (ذات) هو مصطلح له إستخدامات عدیدة، حیث إنه فی بعض الأحیان فی الفلسفة یعبر بالـ (ذات) عن أصل الماهیة وبالـ (ذاتی) عن أجزاء الماهیة.

و قیل إن: المقومات والأرکان الوجودیة لأی شیء تسمى ذاتیات ذلک الشیء.[1]

إن الذات هی عبارة عن النفس التی تکون، حیة، مدرکة، سمیعة و بصیرة و عاقلة.[2]

قیل فی تعرفت النفس: إن النفس هی جوهر روحانی تکون حیّة بذاتها و إذا سکنت و إقترنت بجسم من الأجسام، فإنها ستجعلها حیّة مثلها، مثل صورة النار التی هی عبارة عن جوهر محرق و إذا وضعت بالقرب من جسم من الأجسام، فسوف تجعل هذه الأجسام ساخنة مثلها.[3]

فی الواقع إن النفس هی عبارة عن نورٌ من الأنوار الآلهیة یکون مشرقها و مصدر إشعاعها هو الله سبحانه، و یکون مغربها و مهبطها هذا الجسد المظلم.[4]

حسب رأی الحکمة المتعالیة، فان الذوات کانت موجودة إبتداءً بشکل جمعی، ثم تُشخّص بتکونها المادی و تبقى بعد ذلک بشکل فردی، إن النفس هی جسمانیة الحدوث و روحانیة البقاء.[5]

لکن یبدو للعیان ان الإستخدام العرفی لمصطلح الـ (ذات)، هو معنىً خاص و یقصد به مجموعة من الخصائص الذاتیة و الإکتسابیة و... .

لأن ذات الإنسان یمکن أن تبحث و تتابع من جنبتین:

أ. الجانب المادی و الطبیعی للإنسان و الذی یُعبر عنه بالـ (طینة).

ب. الجانب المعنوی و الروحی للإنسان، و یعبر عنه بالـ (فطرة).

الطینة هی بمعنى العجینة، و هی عبارة عن طبع الإنسان و خُلقِهِ، و إن الـ (طین) هو مبدأ الوجود و الحیاة المادیة للإنسان، و لکن الروح، هی مبدأ الحیاة المعنویة و الروحیة للإنسان.

توضیح ذلک: إن المنشأ و المبدأ لتکوّن تصرفات الإنسان و التی تؤدی الى الشقاوة أو السعادة الدنیویة و الأخرویة هی الدوافع و الأفکار لهذا الإنسان، إن أفکاری و معرفتی هی التی تحفز إحتیاجاتی و تؤجج مشاعری، و إن مشاعری، کالحب و الخوف و الحزن و الغضب و... الخ، هی التی توّجه تصرفاتی.

إن الأسباب التی تبلور أفکاری و معرفتی، و تؤجج مشاعری و أحاسیسی و التی تؤدی بالتالی الى تبلور و تشکل أعمالی و تصرفاتی یمکن تقسیمها الى أربعة أقسام:

1. الطبیعة و العامل الوراثی للإنسان.

2. الفطرة.

3. البیئة الإجتماعیة للإنسان.

4. إرادة الإنسان.

فحسب الأدلة الدینیة فإن جمیع البشر مشترکون بنفس الفطرة "کل مولود یولد على الفطرة" و إن الفطرة بدورها تدعو الإنسان الى مسائل خاصة؛ مثل إدراک وجود الله سبحانه الوجود و الحیاة الخالدة و التعلق ببعض مظاهر الجمال، المیل للأخلاق الحمیدة، المیل نحو التقدیس و الکمال الطبیعی، هذا من جانب، و من جانب آخر فإن موروثات الإنسان من الطینة أو المقدمات المادیة لیست متساویة، فإن البعض و بسبب تدین أو عدم تدین الآباء و الأجداد، أو أن یکون مولوداً شرعیاً أو إبن زنا، الحلیب الذی رضعه من أمه، المال الذی أنفقه الأب علیه، دعاء الآخرین و کثیر من الأمور المادیة و المعنویة الأخرى، من الناحیة المادیة و التعلق الدینی، فإن للبعض إستعداد أکبر لإتباع الفطرة و الروح، بینما نجد أن البعض الآخر یقل هذا الإستعداد عنده، و على عکس الحالة الأولى نجد إن أفکار و میول هؤلاء تتجه نحو الرغبات الجسدیة و الأمور المادیة و الدنیویة، و من الممکن إن الحدیث المعروف "السعید سعید فی بطن أمه و الشقی شقی فی بطن أمه"،[6]یشیر الى هذا المعنى.

لکن الشیء المهم فی کل ذلک هو إن ذاتیات الإنسان لها ثأثیر فی تصرفاته و أعماله و لکنها على نحو المقتضی لا العلة التامة الکاملة لها، بحیث یؤدی الى الجبر و سلب الإختیار منه، لأن الخصوصیة الأصلیة للإنسان و الشیء الذی یتمیز به عن أغلب الموجودات هو عنصر الإرادة و الإختیار. و فی هذه الحالة فإن الإنسان نفسه و بإرادته یقوم بإختیار المیول و الرغبات الفطریة أو المیول و الشهوات المادیة و کلما إتبع الإنسان أحد هذین الإتجاهین کلما إزدادت سنخیته فی هذا المجال. حیث یرى إن هذا الإتجاه هو أجمل و أفضل و بعد ذلک یقوم بطی هذا المسیر بشکل أسهل و برغبة أکبر سواءً أ کان طریق الفطرة أم طریق الشهوة، و على هذا الأساس یکون الإنسان هو نفسه الذی یلبی أو یرفض دعوة هذا المقتضی.[7]



[1] . سجادی، سید جعفر، قاموس العلوم الفلسفیة و الکلامیة، ص 267؛ الکرجی، على، الإصطلاحات الفلسفیة و إختلافها مع بعضها، ص 127.

[2] . الملا صدراء، الأسفار الأربعة، ج 2، ترجمة، محمد الخواجی، ج 2/4، السفر الرابع، ص 52.

[3]  الملا صدراء، مفاتیح الغیب، ترجمة محمد الخواجی، ص 853.

[4] . نفس المصدر، ص 852.

[5] . الأسفار، ج 8، ص347.

[6] . البحارالانوار، ج 5، ص 153، ج 73، ص 117

[7] . مستوحى من تفسیر المیزان، ج 8، ص 137، ذیل الآیة 30 من سورة الأعراف.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260648 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    115299 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102760 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100405 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46110 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43352 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41602 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36800 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35019 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33186 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...