بحث متقدم
الزيارة
5815
محدثة عن: 2011/06/09
خلاصة السؤال
لماذا لم یحفظ الله المسجد الحرام و الکعبة فی قبال السیل و بعض الکوارث الکونیة الأخری؟
السؤال
جاء فی التاریخ أن فی سنة 1039 هـ.ق حصل سیل عظیم شمل کل مدینة مکة المکرّمة بما فیها المسجد الحرام و قد راح ضحیة هذا السیل اربع آلاف و شخصان، و تهدّم بسببه جزء من بیت الله الحرام. سؤالی هو ألیس الله قد تکفّل بحفظ هذه الأماکن المقدسة بوجود المعصومین أی الأرواح المقدسة للنبی(ص) و الأئمة(ع)؟ ألم یقل الله عزوجلّ أن الدین الإسلامی قائمٌ مادامت الکعبة قائمة؟ فکیف تتهدّم الکعبة –بعد هذا الحادث بسنة- بشکل کامل ثم یُعاد بناؤها من جدید؟ فهل لهذا السیل و کل هذه الضحایا من حکمة؟ و ذلک لعدم تکرار هذه الحادثة فی السنین التی تلت هذه الحادثة. أرجوا التفضل بالجواب الکامل عن هذا السؤال.
الجواب الإجمالي

الکعبة و المسجد الحرام، من أکثر الأماکن التی فی الارض علوّاً و قیمة و قداسة، هذا بالنسبة الی المکان نفسه، اما ما یخص الظاهر فهو مکان مادّی دنیوی أرضی و یحکمه کل قوانین المادة الأرضیة، و منها قابلیته للتضرّر و عدم الثبات أمام السیل و الزلزلة و الحریق و الانفجار و غیرها من الحوادث الطبیعیة، فالله سبحانه و تعالی لم یحفظ هذا البیت بقوانین خارجة عن قوانین الدنیا.

و من الطبیعی لیس معنی حفظ الکعبة هو حفظ هذا البناء المادی بل هو بمعنی حفظ حرمته فی قلوب الناس، حتی یهرع هؤلاء الناس و یحفظوا هذا البیت بکل وجودهم و یعیدوا بناءه اذا ما تعرّض للدمار و الانهدام -لاسامح الله- أثر الحوادث و البلایا الطبیعیة.

نعم فی بعض الموارد مثل حادثة أصحاب الفیل و هجومهم علی الکعبة، تعلّقت إرادة الله عزّوجل فی حفظ الکعبة و عقوبة العدو، فلذلک دفع الله هجومهم بواسطة طیور ضعیفة و أهلکهم عن بکرة أبیهم، و ذلک لکی یفهم الکل بأن ارادة الله عزوجل فوق کل الارادات، و أعداء الله مهما کانوا أقویاء نراهم لا یتمکّنون من المقاومة عن أنفسهم أمام اضعف المخلوقات و ذلک لتعلّق ارادة الله بإبادتهم و دحرهم.

الجواب التفصيلي

الکعبة و المسجد الحرام من أکثر الأماکن قداسةً و قیمة و رفعة و ذلک لأن الله سبحانه و تعالی جعل الکعبة فی الأرض فی موازات البیت المعمور (الذی جعله فی العرش و الملائکة یطوفون حوله) [1] حتی یتمکّن البشر من الطواف حولها و یستطیعون بواسطتها التقرّب من الله سبحانه.

لکن نفس هذا المکان المعنوی القیّم من حیث البناء و الظاهر شیء مادی أرضی و تحکمه کل القوانین المادیة شأنه شأن شأن سائر الابنیة و العمارات .

و معنی ذلک أنه قد بنی فوق الأرض من التراب و الصخر و... و حیث هی من الناحیة المادیة من أرخص المواد الانشائیة المادیة الموجودة فی مکة فی ذلک الوقت فلها سقف یحفظها من الشمس و المطر، و لها باب و قفل حتی لا یتمکّن الناس من الدخول إلیها، و معرضة للتلوّث و الاتساخ و تحتاج الی التنظیف و الغسل و غیر ذلک.

و من القوانین الحاکمة فی هذا المکان المقدّس هو تضرّره فی مقابل الحوادث الطبیعیة أمثال السیل و الزلزلة و الحریق و الانفجار و غیرها من الأمور. و حفظ الله تعالی لهذا البیت لیس معناه مقاومة جداره المبنی من الحجر و الطین أمام السیول الضخمة التی من طبیعتها –حسب القوانین الحاکمة لهذا العالم- أن تهدم مثل هکذا بناء و تذیب الطین الذی یمسک صخور جداره، فالماء من طبیعته أن یذیب الطین و التراب و کل حائط مبنی بهذه المواد أینما کان یستسلم قطعاً لهذا السیل العارم الذی یجرفه و یخرّبه، و کذلک من الطبیعی أن یتضرّر کل إنسان موجود تحت هکذا سقف أو خلف هکذا حائط.

أما إذا کان هذا الحائط مبنیا بالاسمنت أو بالرصاص فمن الطبیعی عدم تضرّره أمام السیول و المیاه العارمة بسهولة، لکنه سیتضرّر قطعاً أمام الانفجار المدمّر، و ذلک لقول الله تعالی فی قرآنه المجید «... و لن تجد لسنة الله تبدیلا» [2] .

و قد جاء فی الروایات «ثم إن هذه الأمور کلها بید الله تجری الی أسبابها و مقادیرها فأمر الله یجری الی قدره و قدره یجری الی أجله» [3] .

إذن فکما نجد أن أبدان المعصومین من الأنبیاء و الأئمة (ع) تابعة للقوانین الطبیعیة حیث یجرحون بالسیف و یصلون الی حدّ الشهادة، کذلک الکعبة و البیت الحرام فمع عظمته و قیمته المعنویة نراه لا یخرج عن القوانین و السنن الإلهیة الحاکمة علی الجمادات و الله سبحانه شاءت ارادته أن یضرب هذا القانون و یغیّرها.

نعم فی موارد خاصة مثل قضیة أصحاب الفیل حیث تعلّقت الإرادة الإلهیة بحفظ الکعبة و عقوبة الأعداء، نری أن هجومهم قد قوبل بطیور صغیرة و ضعیفة جداً أدّت الی ابادتهم عن بکرة أبیهم، حتی یعلم الجمیع أن القدرة الإلهیة فوق کل القدرات و مهما کان عدو الله قویاً یمکن بارادة الله أن یستسلم و یخضع و لا یستطیع المقاومة أمام أصغر و أضعف مخلوقات الله سبحانه.

نعم، ان الله حافظ لدینه و بیته الحرام، و لکن لا بضرب القوانین الطبیعیة الحاکمة علی هذا الوجود المادی بل بالوسائل و الأسباب الطبیعیة العادیة. و کذلک صار من الواضح أن حفظ الکعبة لیس معناه حفظ بنائها بل حفظ حرمتها فی قلوب الناس، فیهرعون الی بنائها بکل قواهم إذا ما اُصیبت بالدمار و الخراب.

المواضیع المرتبطة بهذا الموضوع:

الموضوع: الأئمة و قدرتهم علی حفظِ حرمهم، السؤال 2884، الموقع 3474 .

الموضوع: عدم منع الله سبحانه من قتل الإمام الحسین (ع)، السؤال 6621، الموقع 7605.



[1]     بحار الأنوار، ج96، ص57، ح9 «و روی عن الإمام الصادق(ع) انه سُئل لم سمّیت الکعبة قال لأنها مربعة، فقیل له و لم صارت مربعة، قال لأنها بحذاء البیت المعمور و هو مربع فقیل و لم صار البیت المعمور مربعاً قال لأنه بحذاء العرش و هو مربع فقیل له و لم صار العرش مربعاً قال لأن الکلمات التی بنی علیها الإسلام أربع سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله أکبر».

[2]    الفتح، 23.

[3]   الکافی، ج5، ص373.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279749 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258044 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128501 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114213 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89206 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60276 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59856 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57056 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50391 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47402 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...