بحث متقدم
الزيارة
3662
محدثة عن: 2008/11/01
خلاصة السؤال
کیف ینسجم قتل موسى للرجل القبطی مع العصمة؟
السؤال
هل کان موسى معصوماً حینما قتل الرجل المصری کما وردت الإشارة إلى ذلک فی القرآن الکریم؟
الجواب الإجمالي

جمیع الأنبیاء (على اختلاف درجاتهم) معصومون و على قمة هرم التکامل و القرب من الله تعالى، کما أن لهم واجبات و تکالیف غیر ما للآخرین، بل إنهم یعدون کل توجه لغیر الله المعبود ذنباً عظیماً.

و قد وردت توضیحات و آراء عدیدة من قبل العلماء و المفکرین الإسلامیین فی مسألة عصمة موسى (ع) و قتله للرجل القبطی، و أهم الآراء التی طرحت فی ذلک أن موسى لم یرتکب ذنباً فی ذلک، و إن ما صدر من موسى من قبیل ترک الأولى. فقد قیل فی مسألة الرجل القبطی (الفرعونی) و قتله، أن قتله لم یکن أمراً محرماً کما ذکرت أدلته فی محلها. و إن کان من الأفضل أن لا یفعل موسى ذلک بتسرع.

کما أن عبارات القرآن لیس فیها ما یتنافى مع عصمة موسى (ع) کما أجاب الإمام الرضا (ع) عن أسئلة المأمون بخصوص قضیة موسى، َ قال علیه السلام اما قوله " هذا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ" یَعْنِی الِاقْتِتَالَ الَّذِی کَانَ وَقَعَ بَیْنَ الرَّجُلَیْنِ لَا مَا فَعَلَهُ مُوسَى (ع) مِنْ قَتْلِهِ إِنَّهُ یَعْنِی الشَّیْطَانَ عَدُوٌّ مُضِلٌّ قَالَ الْمَأْمُونُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى "رَبِّ إِنِّی ظَلَمْتُ نَفْسِی فَاغْفِرْ لِی"؟ قَال: یَقُولُ إِنِّی وَضَعْتُ نَفْسِی غَیْرَ مَوْضِعِهَا بِدُخُولِی هَذِهِ الْمَدِینَةَ. واما قوله "فَاغْفِرْ لِی" أَیِ اسْتُرْنِی مِنْ أَعْدَائِکَ لِئَلا یَظْفَرُوا بِی فَقَتَلُونِی.‏

الجواب التفصيلي

من أجل الإجابة عن هذا السؤال لابد من أن نذکر بعض النقاط:

الف. توضیح مختصر عن العصمة:

العصمة فی اللغة تعنی الحفاظ و الصیانة و التمسک بالشیء [1] و أما فی اصطلاح المتکلمین فمعناها: لطف لا یکون للإنسان مع وجوده قصد المعصیة أو ترک الطاعة، فی حال کونه قادراً على الطاعة و المعصیة. [2]

ب. بعض الأدلة على لزوم عصمة الأنبیاء:

1- إذا لم یکن أنبیاء الله معصومین یلزم من ذلک نقض الغرض، لأن المقصود من بعثة الأنبیاء اطلاع الناس على المصلحة و المفسدة الواقعیة التی تهمهم، و کذلک إیجاد و تهیئة المناخ الملائم لتربیة الناس و تزکیتهم و وضعهم على طریق الکمال و السعادة فی الدنیا و الآخرة، و هذا الهدف لا یمکن أن یتحصل من دون العصمة، فإذا جاز على النبی ارتکاب المعصیة، فإما أن نکون ملزمین بطاعته أو غیر ملزمین، فإذا لم نلتزم فإن معنى ذلک انتفاء الفائدة من البعثة، و من جهة أخرى فإن الطاعة المعصیة لیست بجائزة.

2- إن معصیة النبی سواء کانت قبل البعثة أم بعدها، فإنها توجب نفرة الناس و إبتعادهم عنه و عدم اتباعه.

و بلحاظ هذه الأدلة و الأدلة الأخرى المبسوطة فی بحث عصمة أنبیاء الله فإن وجود العصمة للأنبیاء یکون أمراً قطعیاً.

ج. کیف یمکن أن تنسجم عصمة موسى (ع) مع ظاهر الآیات القرآنیة التی تتحدث عن قتله للرجل القبطی؟

جاء فی القرآن الکریم: "وَ دَخَلَ الْمَدِینَةَ عَلَى حِینِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِیهَا رَجُلَیْنِ یَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِیعَتِهِ وَ هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِی مِنْ شِیعَتِهِ عَلَى الَّذِی مِنْ عَدُوِّهِ فَوَکَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَیْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِینٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّی ظَلَمْتُ نَفْسِی فَاغْفِرْ لِی فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ". [3]

و السؤال هو کیف تنسجم العبارات التی نطق بها موسى (ع) مع القول بعصمته، و ذلک من أمثال قوله: «إنه من عمل الشیطان» أو قوله «رب إنی ظلمت نفسی».

و هنا لابد من القول: إن أحد حاشیة فرعون (القبطی) أجبر أحد أتباع موسى على جمع الحطب، و بسبب ذلک وقع بینهما نزاع و شجار، و لذلک أقدم موسى على وکز القبطی الفرعونی فی صدره فقتل القبطی بسبب هذه الضربة. [4] و الذی یصرح به المفسرون أن هذا العمل صدر من موسى (ع) من باب ترک الأولى، لأنه ألقى بنفسه بسبب هذا العمل فی المشقة و العناء؛ لأن الفراعنة لا یسکتون عن هذا (القتل).

و معنى ترک الأولى أن العمل لم یکن حراماً فی ذاته، بل إنه یوجب ترک عمل أفضل دون أن یکون قد ارتکب عملاً مخالفاً. [5]

و قد جاء فی کتاب أخبار الرضا أن المأمون وجه هذا السؤال إلى الإمام الرضا (ع): َأَخْبِرْنِی عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ "فَوَکَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَیْهِ" قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ؟ قَالَ الرِّضَا (ع): إِنَّ مُوسَى (ع) دَخَلَ مَدِینَةً مِنْ مَدَائِنِ فِرْعَوْنَ عَلَى حِینِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ ذَلِکَ بَیْنَ الْمَغْرِبِ وَ الْعِشَاءِ فَوَجَدَ فِیها رَجُلَیْنِ یَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِیعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِی مِنْ شِیعَتِهِ عَلَى الَّذِی مِنْ عَدُوِّهِ فَقَضَى مُوسَى (ع) عَلَى الْعَدُوِّ بِحُکْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِکْرُهُ فَوَکَزَهُ فَمَاتَ، قالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ یَعْنِی الِاقْتِتَالَ الَّذِی کَانَ وَقَعَ بَیْنَ الرَّجُلَیْنِ لا مَا فَعَلَهُ مُوسَى (ع) مِنْ قَتْلِهِ إِنَّهُ یَعْنِی الشَّیْطَانَ عَدُوٌّ مُضِلٌّ. قَالَ الْمَأْمُونُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى "رَبِّ إِنِّی ظَلَمْتُ نَفْسِی فَاغْفِرْ لِی"؟ قَالَ: یَقُولُ إِنِّی وَضَعْتُ نَفْسِی غَیْرَ مَوْضِعِهَا بِدُخُولِی هَذِهِ الْمَدِینَةَ "فَاغْفِرْ لِی" أَیِ اسْتُرْنِی مِنْ أَعْدَائِکَ لِئَلا یَظْفَرُوا بِی فَیقَتَلُونِی، فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیم‏". [6]

و قد بین السید المرتضى علم الهدى هذا الآیة فی کتابه تنزیه الأنبیاء على وجهین:

1. المراد من الظلم ترک المستحب، و هو تأخیر قتل هذا الرجل القبطی و أن موسى (ع) بالغ فی مساعدة الرجل الذی کان من شیعته فأسرع إلى قتل الرجل القبطی، و ترک بذلک الأولى، و إنه حرم من ثواب هذا العمل المستحب، و لذلک قال «ظلمت نفسی».

2. و أما المراد بقوله: «هذا من عمل الشیطان» أن النزاع بین موسى و الرجل القبطی لم یکن القصد منه قتل الرجل، و إنما کانت محاولة لنصرة أحد أتباعه و شیعته. [7]

و قال الشیخ الطوسی فی تفسیر التبیان: «إن قتله القبطی لم یکن قبیحاً، و کان الله أمره بقتله، لکن کان الأولى تأخیره إلى وقت آخر لاقتضاء المصلحة، فلما قدم قتله کان ترک الأولى و الأفضل». [8]

کما أجاب صاحب مجمع البیان عن هذا السؤال بالکیفیة التالیة: «إن القتل إنما وقع على سبیل تخلیص المؤمن من ید من أراد ظلمه و البغی علیه، و دفع مکروهه عنه، و لم یکن مقصوداً فی نفسه، و کل ألم وقع على هذا الوجه، فهو حسن غیر قبیح». [9]

و قد جاء فی تفسیر فتح القدیر: «و وجه استغفاره أنه لم یکن لنبی أن یقتل حتى یؤمر، و قیل إن طلب المغفرة من ترکه للأولى کما هو سنة المرسلین، أو أراد أنی ظلمت بقتل هذا الکافر، لأن فرعون لو یعرف ذلک لقتلنی به، و معنى (فاغفر لی) فاستر ذلک علی و لا تطلع علیه فرعون.

(ولهم علی ذنب فأخاف أن یقتلون) الذنب هو قتله للقبطی و سماه ذنباً بحسب زعمهم». [10]

و فی نهایة المطاف یمکن القول: إن الذنب و المعصیة على مراحل، فتارة یخالف الإنسان أحکام الشرع و قوانینه و تعالیمه الأخلاقیة و هذا ما یتنافى مع العصمة، و لکن لا یکون الأمر کذلک فی بعض الأحیان و إنما یکون العمل من قبیل ترک الأولى، و هذا و إن کان یسمى معصیة لدى المقربین و لکنه لا ینافی العصمة، و إنما من باب «حسنات الأبرار سیئات المقربین» فقط.

للاطلاع یراجع:

1. موضوع عصمة الأنبیاء فی القرآن، العدد 1013 (الموقع: 1070) .

2. موضوع عصمة الأنبیاء فی نظر القرآن، العدد 916 (الموقع: 997) .



[1] مفردات الراغب، و کتاب العین مادة عصم.

[2] جعفر السبحانی، محاضرات فی الإلهیات، ص 405.

[3] القصص، 15- 16.

[4] مکارم الشیرازی، التفسیر الأمثل، ج 16، ص 42؛ مکارم الشیرازی، تفسیر البیان، ج7-8؛ الشیخ الطوسی، تفسیر التبیان، ج 2، ص 391؛ تفسیر الاثنی عشری، ج 10، ص 94.

[5] تفسیر نور الثقلین، ج 4، ص 119؛ تفسیرالاثنی عشری، ج 10، ص 94.

[6] عیون أخبار الرضا (ع)، ص 155، باب 15؛ عبد علی بن جمعة العروسی الحویزی، نور الثقلین، ج 4، ص 119؛ المیزان، ج 16، ص 18.

[7] نقلاً عن مجمع البیان.

[8] تفسیر التبیان، ج 2، ص 219، رحلی.

[9] فضل بن حسن الطبرسی، مجمع البیان، ج 7، ص 382.

[10] محمد بن علی الشوکانی، تفسیر فتح القدیر، ج 4، ص 164.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260631 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    115008 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102738 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100396 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46104 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43304 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41575 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36790 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35012 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33158 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...