بحث متقدم
الزيارة
4433
محدثة عن: 2011/09/07
خلاصة السؤال
هل یمکن الوصول إلى مرتبة الربوبیة؟
السؤال
هل یمکن الوصول إلى مرتبة الربوبیة؟
الجواب الإجمالي

لمقام الربوبیة نسب و مراتب و معان مختلفة، و للإجابة عن هذا السؤال لا بد من أخذ جمیع المراتب و المعانی بنظر الاعتبار. فإذا کان المراد بالوصول إلى الربوبیة بمعنى انقلاب الذات و تبدل المخلوق إلى خالق، فإن هذا أمرٌ بدیهی البطلان و ادعاء مرفوض. و لکن یمکن لهذا الکلام أن یکون إشارة للروایة المنقولة عن الإمام الصادق (ع) و التی یقول فیها «العبودیة جوهرة کنهها الربوبیة» و معنى هذا الکلام الوصول إلى منتهى العبودیة و الفناء، و لیس فی هذا ادعاء للربوبیة.

الجواب التفصيلي

لمقام الربوبیة نسب و مراتب و معان مختلفة، و للإجابة عن هذا السؤال لا بد من أخذ جمیع هذه المراتب و المعانی بنظر الاعتبار، فإذا کان المراد من وصول الإنسان إلى الربوبیة بمعنى انقلاب الذات و تبدل المخلوق إلى خالق، فمن البدیهی أن هذا أفتراض باطل و ادعاء مرفوض و توهم لا أساس له، کما ورد فی القرآن الکریم أن فرعون ادعى الربوبیة فکان مصیره الخسران کما فی قوله تعالى: «فقال أنا ربکم الأعلى، فأخذه الله نکال الآخرة و الأولى»[1].

و لکن ما یذکر فی أبحاث العرفان فی باب تجلی الصفات الربوبیة و غیر ذلک هو أمر آخر و کلام مختلف و له علاقة بالروایة المنقولة عن الإمام الصادق (ع) «العبودیة جوهرة کنهها الربوبیة»[2]. و قد ورد فی کلام العرفاء ما یشبه هذا الکلام و قد بین بالتفصیل هناک.

و هذا الکلام فیه إشارة إلى أعلى المقامات و المراتب التی یصلها الإنسان، فبعد فنائه یبقى ببقاء الله، و مقام البقاء بعد الفناء لا یعنی أن الإنسان یتبدل إلى إله أو أنه یصل إلى مرتبة الإلوهیة و إنما یعنی أن العارف بعد الفناء و التخلی عن ذاته یصبح محلاً لتجلی الصفات الإلهیة.

و على هذا الأساس فلا یمکن للإنسان أن یصل إلى مرتبة الربوبیة بأی شکل من الأشکال، و لکن یفنی ذاته فیظهر الله ربوبیته و یجلیها فی هذا الإنسان الفانی و کما یقول العرفاء ما دام الوجود باقیاً فلا إمکان للتجلی الربوبی فی العبد. بمعنى أن العبد یبقى عبداً و أن الرب یبقى رباً، و لا یمکن الجمع بینهما.

و قد أشیر إلى هذا المقام فی بعض الروایات و من جملة ذلک الحدیث القدسی المشهور: «لا یزال العبد یتقرب إلی بالنوافل و العبادات حتى أحبه فإذا أحببته کنت سمعه الذی یسمع له و بصره الذی یبصر به و یده التی یبطش بها، و رجله التی یمشی بها»[3] .

کما أن مراجعة و دراسة الروایات و الزیارات و الکلام المتعلق بمراتب المعصومین و مقاماتهم یدل على أن هذا المقام السامی یتجلى بکل عظمته و أوجه فی شخصیات الأئمة المعصومین (ع) و من جهة أخرى هناک القاصرون عن إدراک مثل هذا الکلام ممن یرون فیه جنوحاً إلى الغلو، و قد یأتی الکلام عن هذه الروایات من هذه الزاویة فی محله.

و من هذا القبیل ورد فی کلام بعض العرفاء بیان لهذه المقامات و المرات ببیان فلسفی و حکمی. منهم الملا صدرا فی کتابه إیقاظ النائمین فی بیان سفر العرفانی السالک إلى الله، و حین یصل إلى مقام التوحید یقول:

« قیل هذا التوحید عبارة عن ستر وجه العبودیة بوجه الربوبیة و اختفاء کوکب ذاته عند وجود شمس العظمة و الکبریاء و یکون الرب ظاهرا و العبد مخفیا ... و قد یکون تبدیل الصفات البشریة بالصفات الإلهیة دون الذات فکلما ارتفعت صفة من صفاتها قامت صفة إلهیة مقامها فیکون الحق سمعه و بصره کما نطق به الحدیث المشهور و یتصرف فی الوجود بما أراد الله »[4].

و کتب کذلک الملا علی النوری فی هذا الباب:

(فحینئذ صار العبد مصدوقة قوله (ص): خلق الله آدم على صورته، و منزلة صورة الشی‏ء منه منزلة الوجه و الظل من الکنه و الحقیقة، کما قال الصادق الامین علیه السلام: العبودیة جوهرة کنهها الربوبیة، و من ها هنا اشار الى منزلته من حضرة الحق الحقیقى، حیث قال: من رآنی فقد رأى الحق، و قال الصادق فی قوله تعالى: کُلُّ شَیْ‏ءٍ هالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ: نحن الوجه ... و من ها هنا قال قبلة العارفین على أمیر المؤمنین معرفتی بالنورانیة معرفة الله، اذ منزلة نورانیته علیه السلام من حضرة ذات نور الانوار الواحد القهار منزلة صوره الشی‏ء و وجهه...)[5]

و قد تکلم العرفاء فی منظومهم و منثورهم عن هذا المقام منهم السید حیدر الأملی حیث کتب بخصوص تعریف مقام (الولایة الخاصة) فی العرفان:

(فالولایة الخاصّة عبارة عن فناء العبد فی الحقّ. و الولىّ هو الفانی فیه (أی فی الحقّ)، الباقی به. و لیس المراد بالفناء هنا انعدام عین العبد مطلقا، بل المراد منه فناء الجهة البشریّة فی الجهة الربّانیّة، إذ لکلّ عبد جهة فی الحضرة الإلهیّة، هی المشار إلیها بقوله «وَ لِکُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّیها» الآیة. و ذلک لا یحصل الا بالتوجّه التامّ الى جناب الحقّ المطلق سبحانه، إذ به تقوى جهة حقّیّته، فتغلب جهة خلقیّته الى أن تقهرها و تفنیها بالاصالة، کالقطعة من الفحم المجاورة للنار).

و على هذا الأساس فالإنسان الکامل مظهر للصفات الإلهیة، و إن الإنسان فی کماله النهائی یمکن أن یکون خلیفة الصفات الإلهیة، إذن فالصفات الإلهیة تتجلى فی الإنسان فی مرتبة الفناء. و هذا لا یعنی القول بربوبیة الإنسان، بل هو تجلی الله فی الإنسان، و ذلک غیر الاتحاد أو الانقلاب فی الذات کما أشرنا لذلک فیما تقدم.



[1] النازعات، 24 و 25.

[2] مصباح الشریعة، ص7، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، 1400 ق.

[3] عوالی اللآلی، ج4، ص103، منشورات سید الشهداء، قم، 1405 ق.

[4] ملا صدرا، إیقاظ النائمین ص58، انجمن حکمت و فلسفه ایران.

[5] النوری، المولى علی، التعلیقات على مفاتیح الغیب، ص742،. موسسه تحقیقات فرهنگی.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    272102 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    218730 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    118061 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    105673 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    82625 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    54243 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    53134 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    47328 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    42405 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    41555 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...