بحث متقدم
الزيارة
4287
محدثة عن: 2012/04/17
خلاصة السؤال
هل يمكن اطلاق صفة المُدرك على الله تعالى؟
السؤال
هل يمكن اطلاق صفة المُدرك على الله تعالى؟
الجواب الإجمالي

جاء في كتاب الله المجيد في وصف الباري تعالى " لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ"[1] و مدرك على وزن "فاعل" اسم من اسماء الله تعالى.[2] كذلك ورد في القرآن الكريم و الروايات توصيف الله تعالى بالمُدرك،[3] و صفة "مُدرك" في الرواية تأتي بنفس المعنى الذي ورد في الآية الشريفة " یُدْرِكُ".

و قد وقع البحث بين المتكلمين حول صفة الادراك هذه و اختلاف الآراء فيها، من هنا نحاول الاشارة الى ما ذكرة الشيخ السبحاني في كتاب الالهيات:

قد عدّ بعض المتكلمين الإِدراك من صفاته، و المدرِك بصيغة الفاعل من أَسمائه، تَبَعاً لقوله سبحانه: «لَّاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ».

و لا شك أَنَّه سبحانه بحكم الآية الشريفة مُدْرِك، لكن الكلام في أنَّ الإِدراك هل هو وصف وراء العلم بالكليّات و الجزئيات؟، أو هو يعادل العلم و يرادفه؟، أو هو عِلْم خاص و هو العِلم بالموجودات الجزئية العَيْنِيّة، فإِدراكُه سبحانه هو شهود الأَشياء الخارجية ووقوفه عليها وقوفاً تاماً؟.

يقول العلامة الطباطبائي: الأَلفاظ المستعملة في القرآن الكريم في أَنواع الإِدراك كثيرة ربما بلغت العشرين كالعِلْم والظَّن و الحُسبان و الشعور و الذِكر و العِرفان والفَهْم و الفِقْه و الدِراية و اليقين و الفِكر و الرَأي و الزَّعم و الحِفْظ و الحِكْمة و الخِبْرة و الشَّهادة و العَقْل و يلحق بها مثل القَوْل و الفَتوى و البَصيرة.

و هذه الأَلفاظ لا تخلو معانيها عن ملابسة المادَّة و الحركة و التَّغيّر، غير خمسة منها و هي: العِلْم الحفظ و الحكمة و الخبرة و الشهادة. فلأجل عدم استلزامها النقص والفقدان استعملت في حقه سبحانه. قال تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلّ شَي‏ءٍ عَلِيمُ» [4]. و قال تعالى «وَ رَبُّكَ عَلَى‏ كُلّ شَي‏ءٍ حَفِيظٌ»[5]. و قال تعالى: «وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»[6] و قال سبحانه: «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ».[7]و قال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَى‏ كُلّ شَي‏ءٍ شَهِيدٌ»[8].

و بذلك يظهر أنّ إدراكه سبحانه ليس شيئاً وراءَ ما جاءَ في هذه الآيات و عبّر عنه بالعليم و الحفيظ و الخبير و الحكيم و الشهيد. و الأقرب هو كونه بمعنى الأَخير (الشهيد)، فشهوده للموجودات و حضورها لدى ذاته و قيامُها به قيام المعنى الحرفي بالإِسمي، معنى كونه مدركاً للأَشياء «لَّاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ».[9]

و الجدير بالذكر ان المتكلمين لم يختلفوا في جواز اطلاق الاسماء و الصفات التي ثبت ان الله تعالى اطلقها على نفسه، و المنع من اطلاق الصفات التي صرح الشرع بمنع اطلاقها عليه سبحانه، نعم، وقع الخلاف في الامور التي لم يصرح بالاذن فيها و لم يصرح بمنع اطلاقها على ذات الله تعالى، و بقيت كحالة برزخية بين المنع و الجواز. حيث ذهب بعض الاعلام الى نفي توقيفية الاسماء و الصفات؛ بمعنى أنه لا يشترط في إطلاق الصفة أو الاسم على الله تعالى وجودها في آية أو رواية، بل يكفي في كون الاسم أو الصفة غير موهم و يكون من الامور التي لا يستحيل وصف الباري بها. و في المقابل ذهب بعض الاعلام الى القول بتوقيفية الاسماء و الصفات و أنه لا يمكن وصفه تعالى الا بما جاء في الكتاب أو السنة الصحيحة. و هناك طائفة ثالثة ذهبت الى التفصيل بين الاسماء و الصفات فقالت بتوقيفية الاسماء دون الصفات.[10]

 


[1] الانعام، 103.

[2] السبحاني، جعفر، ‏الإلهيات على هدى الكتاب و السنة و العقل، ج 1، ص 163، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، قم، 1412 ق.‏

[3] من قبيل: «وَ اللَّهِ‏ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... الْمُدْرِكُ‏ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَ الْعَلَانِيَةَ»؛ الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، تحقيق و تصحيح: موسوي خرسان، حسن، ج 6، ص 319،‏ دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407ق.

[4] النساء، 176.

[5] سبأ، 21.

[6] البقرة، 234.

[7] يوسف، 83.

[8] سورة فصلت: الآية 53، لا حظ فيما ذكرناه الميزان، ج 2، ص 259- 261.

[9] الانعام، 103؛ و انظر: الإلهيات على هدى الكتاب و السنة و العقل، ج 1، ص 163.

[10] پژوهشكده تحقيقات اسلامي، فرهنگ شيعة، ص 321، زمزم هدايت‏، قم، الطبعة الثانية، 1386ش؛ الطباطبائي، سید محمدحسین، المیزان في تفسیر القرآن، ج 8، ص 358 و 359، مكتب الاعلام الاسلامي، قم، الطبعة الخامسة، 1374ش.

 

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    267231 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    191978 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    110682 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    103252 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    75336 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    50158 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    50113 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    41470 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    39395 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    39339 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...