الزيارة
5133
محدثة عن: 2007/07/08
خلاصة السؤال
ما هی المساحة التی یتمتع بها الإنسان المؤمن من الحریة و الاختیار؟
السؤال
ما هی المساحة التی یتمتع بها الإنسان المؤمن من الحریة و الاختیار؟
الجواب الإجمالي

بالرجوع إلى النصوص الدینیة و التدقیق فی مضمون الآیات و الروایات نجد فیها ما یؤید فکرة کون الإنسان مختاراً، و لکن لا بمعنى أن الإنسان مختار محض، و من دون أن تحدد اختیاره أی قدرة أو قوة أو حاکمیة. و إنما المراد هو: على الرغم من کل العوامل المؤثرة و الظروف المحیطة، مع الاحتفاظ بقدرة الله و إرادته، فإن الإنسان قادر على أن یأتی بأعمال معینة و هو قادر فی نفس الوقت على أن لا یأتی بها، و أن یتصرف بکیفیة أخرى، فالإنسان اذاً یتحمل مسؤولیة ما یأتی به من أعمال إرادیة و لا وجود لمن یملی علیه و یجبره على أعماله.

و من البدیهی أیضاً أنه على الرغم من کون الإنسان مختاراً و حراً إلاّ أن حریته و اختیاره أمور نسبیة و محدودة بالنسبة لقدرته على تحدید طبیعته الداخلیة النفسیة أو استبدال محیطه الطبیعی، أو صناعة مستقبله کما یرید هو نفسه، و إذا کان الإنسان غیر قادر على قطع علاقته بشکل کلی، بالعامل الوراثی، و المحیط الطبیعی و الاجتماعی، و المقطع الزمانی التاریخی، فإنه یتمکن و فی هامش واسع أن یتمرد على هذه القیود و المؤثرات لیخرج عن سلطان هذه العوامل، و یحرر نفسه من آصارها، و بحکم قوة العقل و العلم من جانب، و قوة الإیمان و الإرادة من جانب آخر یتمکن الانسان من إیجاد تغییرات فی هذه العوامل لیجعلها ملائمة لما یریده وما یطمح إلیه، فیملک زمام أموره بیده.

الجواب التفصيلي

بالرجوع إلى النصوص الدینیة و التدقیق فی مضمون الآیات و الروایات نجد ما یؤید فکرة کون الإنسان مختاراً، و لیس معنى هذا القول أن الإنسان مختار محض، ولا وجود لأی عامل مؤثر فی حیاته، أو أی قدرة أو سلطة تحکم أفعاله و نشاطه، بل إن المعنى هو مع الاعتراف بجمیع العوامل و المؤثرات، و مع الاحتفاظ بقدرة الله و هیمنته، فإن الإنسان قادر على إنجاز أعمال لو أراد أن لا ینجزها لما أنجزها و لما فعلها، و إنه بإمکانه أن یسلک سلوکاً آخر و ینحو نحواً مختلفاً. إذن فالإنسان هو المسؤول عن أعماله الإرادیة، و لیس الجبر أمر حاکم على تحرکه و نشاطه.[1]

و قد وردت عدة تفسیرات و تحلیلات للمتکلمین و الحکماء المسلمین بالنسبة لهذه القضیة، و لکن من أعمق و أجمل ما قیل فی ذلک ما قرره صدر المتألهین، حیث قال: إن الظواهر الوجودیة تختلف فیما بینها بلحاظ الذات و الصفات و الأفعال، و لکنها مع کل الاختلافات الموجودة فیما بینها بلحاظ القرب و البعد من مبدأ الخلق، فإنها تشترک بشیء واحد یستوعبها جمیعاً على حد سواء و هذه الحقیقة الإلهیة المشترکة بین الجمیع هی (الوجود المطلق) ففی عین بساطة هذه الحقیقة و وحدتها إلاّ أنها تشمل جمیع أبعاد عالم الوجود و لا توجد ذرة واحد فی هذا العالم الواسع خارجة عن سیطرة وهیمنة الحقیقة الإلهیة و نور الأنوار.

و على هذا الأساس، فکما أن وجود کل ظاهرة و شأنها منسوب الى وجود الله سبحانه وشأنه فی نظام الخلق، کذلک فإن فعل کل ظاهرة وجودیة هو فعل الله تعالى، و لیس المقصود من هذا الکلام أن فعل زید مثلاً لم یکن صادراً عنه، و إنما المراد هو أن فعل زید فی عین نسبته الحقیقیة إلى زید منسوب نسبة حقیقیة إلى الله أیضاً.

و النتیجة هی: کما أن وجود زید و حواسه و خصوصیاته الأخرى منسوبة إلیه، فإن فعله و أعماله منسوبة الیه أیضاً، و إن کلا النسبتین حقیقیتان (إذن ففکرة الجبر نادرة) و کما أن وجوده ینسب إلیه نسبة حقیقیة فهو منسوب إلى الله أیضاً، لأن فیض وجوده من الله سبحانه، و کذلک فإن علمه و إرادته و حرکاته و سکناته و کل ما یصدر عنه فإنه فی عین صدوره عن زید و نسبته إلیه نسبة حقیقیة، فإنه منسوب إلى الله بنسبة حقیقیة أیضاً، فالإنسان إذا هو فاعل و موجد لأعماله.

و من البدیهی أن الإنسان و مع کونه مختاراً إلاّ أنه فی إطار محدود بلحاظ تشکل صورته النفسیة المعنویة الداخلیة، أو تبدیل محیطه الطبیعی، کما هو المطلوب أو صناعة مستقبله کما یشاء و یرغب، و لذلک فحریته و اختیاره أمور نسبیة محدودة، فهو حر فی دائرة محدودة، و محدودیة الإنسان ترجع إلى عدة لحاظات.

1- الوراثة:

یأتی الإنسان إلى الدنیا بطبیعته الإنسانیة، و حیث أن أمه و أباه ینتمون إلى نوع الإنسان فإنه یأتی إنساناً قهراً و جبراً، و لابد أن یرث من والدیه سلسلة من الصفات کلون البشرة، و لون العینین، و بعض الخصوصیات الجسمانیة التی تصل إلیه فی بعض الأحیان عبر عدة أجیال فی سلسلته الوراثیة، و لیس للإنسان أی اختیار فی مثل هذه الخصائص الموروثة، و إنما ورثها على نحو الجبر، و تلقاها مرغماً.

2- المحیط الطبیعی و الجغرافی:

للمحیط الجغرافی و الطبیعی الذی ینشأ فیه الإنسان آثار و انعکاسات کبیرة فی رسم معالم شخصیته الداخلیة و الخارجیة شاء أو لم یشأ، فأثر الطقس البارد غیر أثر الطقس الحار، و المنطقة الجبلیة غیر السهلیة، و غیر ذلک من تنوعات طبیعیة و جغرافیة لها بالغ الأثر فی نفسیة الإنسان من دون أن یکون له أی اختیار فی رفض هذه المؤثرات أو اجتنابها.

3- المحیط الاجتماعی:

المحیط الاجتماعی للإنسان عامل مهم فی تکوین خصوصیات الإنسان الروحیة و الأخلاقیة، لغة الإنسان، الأعراف و الآداب الاجتماعیة، دینه، مذهبه، فغالباً ما یتلون الإنسان بما یفرضه علیه محیطه الاجتماعی[2] و على الرغم من اعتراف القرآن بالمؤثرات العدیدة على الإنسان کالمجتمع، و الطبیعة، و ...، و لکنه یعلن بصراحة أن الإنسان قادر بلحاظ الإمکان أن لا یخضع لإملاءات المحیط الاجتماعی.

یقول تعالى فی الآیة 97 من سورة النساء بخصوص (المستضعفین) من أفراد المجتمع: «إِنَّ الَّذِینَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِکَةُ ظَالِمِی أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِیمَ کُنْتُمْ قَالُوا کُنَّا مُسْتَضْعَفِینَ فِی الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَکُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِیهَا فَأُولَئِکَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سَاءَتْ مَصِیرًا».

و یقول فی موضع آخر: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا عَلَیْکُمْ أَنْفُسَکُمْ لا یَضُرُّکُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَیْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُکُمْ جَمِیعًا فَیُنَبِّئُکُمْ بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»[3]

فلا یکون ضلال الآخرین سبباً (یجبرکم) على الضلال.[4]

4- العوامل التاریخیة الزمانیة:

الوقائع و الحوادث الماضیة هی الأخرى لها تأثیر کبیر فی صناعة الإنسان و بشکل إجمالی، فإن العلاقة بین ماضی کل موجود و مستقبله أمر مسلم و قطعی، فالماضی بمنزلة النطفة و النواة بالنسبة إلى المستقبل. وإذا لم یستطع الإنسان أن یقطع علاقته بشکل کلی بعامل الوراثة و المحیط الطبیعی، و المحیط الاجتماعی و التاریخ و الزمان، فإنه من الممکن أن یتمرد على هذه العوامل الضاغطة و الآصار المحیطة به و یحرر نفسه من آثارها. و بحکم قوة العقل و العلم من جانب و قوة الإرادة و الإیمان من جانب آخر یمکن للإنسان أن یحدث تغییرات فی هذه العوامل من أجل تکییفها و ما یتلائم و إرادته و أغراضه، و بذلک یکون مالکاً لزمام أموره، و قادراً على تحدید مصیره بنفسه.[5]

و نحن لا ننکر تأثیر العوامل الجینیة و الطبیعیة و البیئیة و الاجتماعیة فی تشکیل شخصیة الإنسان و طبیعة سلوکه.و لکننا نرى أن حصر المؤثرات التی تحیط بالإنسان بهذه العوامل فقط أمر غیر صحیح، و أنه إغفال للجوانب الروحیة و النفسیة للإنسان، و بالتوجه إلى إثبات وجود النفس المجردة، فإن إرادة الإنسان الحرة تابعة لقدراته الروحیة المجردة، و حین نأخذ بنظر الاعتبار إرادة الإنسان الحرة، فإنه مهما کان تأثیر العوامل الفیزیائیة و الکیمیائیة و الطبیعیة، فلا یمکنها أن تصل إلى حدود سلب الإنسان اختیاره، ألسنا نشاهد و نجد أننا نقاوم فعل المؤثرات الخارجیة و الإغراءات التی تثیر بعض الغرائز و المیول التی تتبعها انفعالات فیزیائیة و کیمیائیة؟ إننا و الآخرین نواجه کل یوم مثل هذه الأمور و جربناها و عرفناها.

و قانون الوراثة لا یقتضی أن یکون الولد نسخة مطابقة لوالدیه و أجداده الذین ورث عنهم بعض الخصوصیات دون إرادته. فالإنسان قادر على أن یختار أعمالاً تخالف مقتضى کل هذه العوامل، لیختار سلوکاً آخر مغایراً لإملاءاتها.[6]

المصادر للاطلاع:

محمد تقی جعفری، الجبر و الاختیار.

جعفر السبحانی، سرنوشت از دیدگاه علم و فلسفه"مصیر الإنسان بنظر الفسلفة و العلم".

السید محمد باقر الصدر، الإنسان المسؤول و صناعة التاریخ.

مرتضى المطهری، انسان و سرنوشت "الإنسان و المصیر".

محمد تقی مصباح، " معارف قرآن" معارف القرآن (معرفة الله، معرفة العالم، معرفة الإنسان).



[1] أحمد واعظی، انسان از دیدگاه اسلام" الإنسان بنظر الإسلام"، ص12، قم، مکتب تعاون الحوزة و الجامعة ، 1375.

[2] مرتضى المطهری، مقدمه‏اى بر جهان بینى اسلامى، " مقدمة فی النظریة الإسلامیة فی المعرفة"، ص270 – 271، منشورات صدرا، قم.

[3] سورة المائدة، الآیة 105.

[4] مرتضى المطهری، مقدمه‏اى بر جهان بینى اسلامى، " مقدمة فی النظریة الإسلامیة فی المعرفة"، ص330.

[5] المصدر السابق، ص270.

[6] محمود رجبی، انسان شناسى، " معرفة الإنسان"، ص151، مؤسسة الإمام الخمینی للتحقیق و التعلیم، الطبعة الأولى، 1379.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    257908 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    99103 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    97701 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    69687 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    43817 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    36318 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    34872 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    34597 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    32246 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    30229 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...