بحث متقدم
الزيارة
1600
محدثة عن: 2014/09/22
خلاصة السؤال
ما هي مبررات اعتماد الأئمة لمبدأ التقية في حياتهم؟
السؤال
من المعروف أنّ السبب الداعي للتقية هو الخشية و الخوف و الذي ينقسم بدوره إلى نوعين: الخشية على الذات و خوف القتل؛ و الثاني الخوف من التعذيب و تعرض شخصية المتقي للاستهزاء و التحقير و الإهانة و هتك الحرمات. إما بالنسبة إلى النوع الأوّل فهو منتف عن الأئمة عليهم السلام لسببين، الأول: ما ورد في مصادر الشيعة من أنّهم يموتون باختيار منهم؛ و الثاني أنهم حسب معتقد الشيعة يعلمون ما كان و سيكون و هم يعلمون زمان و مكان وفاتهم، و عليه ينتفي الخوف قبل أن يحين وقت وفاتهم، و معه لا حاجة للتقية و خداع المؤمنين. و أما التقيّة مقابل الخوف من التعذيب و الإهانة و التحقير، فلا ريب أنّه من وظائف العلماء و هم عليهم السلام الأولى بتحمل ذلك دفاعاً عن دين جدّهم، فلماذا التقيّة إذن؟
الجواب الإجمالي
لم تنطلق التقية دائما من الخوف و الخشية كما تصوّر السائل خطأً، بل هناك عوامل كثيرة للتقية أحدها الخوف و المعبّر عنها بالتقية الخوفية أو الاكراهية. ولما كانت التقية تستند إلى مجموعة من الأركان كالمتقي و المتقى منه و المتقى فيه، فمن هنا تقسّم إلى عدّة اقسام، منها: التقسيم بلحاظ ذات التقية إلى التقية الخوفية و المداراتية و الكتمانية و الاكراهية. و على فرض انطلاقها من الخوف و الخشية، فانّ الخوف و الخشية لا ينحصران في الخوف و الخشية على نفس المتقي و كرامته، بل هي اوسع من ذلك؛ و ذلك لأن التقية الخوفية قد تحصل تارة بسبب الخوف على النفس  و العرض و كرامة الشخص نفسه أو من يهمه شأنهم، و تارة بسبب احتمال تعرض المؤمنين للضرر، و قد تحصل أحيانا بسبب احتمال تعرّض الكيان الاسلامي للخطر كالخشية من وقوع المسلمين في الفرقة و التناحر.
فالتقية قبل أن تكون برنامجاً إسلامياً هي أسلوب عقلاني و منطقي، ينفذه و يعمل به من يعيش صراعا مع عدو قوّي متمكن منه. و الاعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين، و لا هم لشارعه إلا ظهور الحق و حياته، و ربما يترتب على التقية و المجاراة مع أعداء الدين و مخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين و حياة الحق ما لا يترتب على تركها، و إنكار ذلك مكابرة و تعسف. و من هنا جاء التأكيد عليها في الاحاديث الاسلامية بل وصفت في البعض منها بأنها حرز المؤمن و ترسه، و لاريب أن الحرز و الترس يستفاد منه حتى في خارج اطار المعارك العسكرية.
إما القول بأنّ الأئمة عليهم السلام لا يخشون الموت لانهم في قمة المعرفة الإلهية و العشق الرباني، فهذا حق لا مرية فيه؛ إلا أنّه من غير الصحيح الادعاء بأنّهم يموتون باختيار منهم و إذن مسبق، فانّ الله تعالى لم يستأذن أحداً في قبض روحه و لو كان من الأنبياء و الأئمة و الصالحين. فلا ينبغي الخلط بين علم الشخص أحياناً بموته و بين الإذن منه في قبض روحه. يضاف إلى ذلك أنّ البعض من العلماء فسّر علم الأئمة عليهم السلام بأنّهم "لو شاؤوا علموا".
 
الجواب التفصيلي
قبل الخوض في الإجابة عن السؤال المطروح نرى من الضروري تسليط الأضواء على المراد من التقية لغة و اصطلاحاً، مع الاشارة إلى دليلها و مستندها.
التقية لغة:
عرف اللغويون التقية بأنّها: الحيطة و الحذر من الضرر و التوقي منه، و التقية و التقاة بمعنى واحد، قال تعالى : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)[1] أي: تقية، بالاتفاق[2].
قال ابن منظور: و في الحديث: «قلت: و هل للسيف من تقية؟ قال: نعم، تقية على اقذاء، و هدنة على دخن» و معناه: إنّهم يتقون بعضهم بعضاً، و يظهرون الصلح و الاتفاق و باطنهم بخلاف ذلك[3].
و أما في الاصطلاح: فقد عرفها جمع من علماء المسلمين بألفاظ متقاربة و ذات معنى واحد. فهي عند الشيخ المفيد (المتوفى 413 هـ) عبارة عن : كتمان الحق، و ستر الاعتقاد فيه، و مكاتمة المخالفين و ترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين و الدنيا.[4]
و عرّفها الشيخ الاَنصاري (المتوفى 1282 هـ) بـالحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق.[5]
و قال السرخسي الحنفي (المتوفى 490 هـ) : و التقية: أن يقي نفسه من العقوبة، و إن كان يضمر خلافه[6].[7]
و تُعتبر التقية من الموضوعات التي تعود جذورها إلى الكتاب و السنّة الشريفة و التي حظيت بإهتمام الباحثين و الكتّاب و دونت حولها الكثير من الكتب و الدراسات؛ و ذلك للدور الكبير الذي تلعبه في المجال الفقهي و الكلامي و السياسي و الاجتماعي، خاصّة في العلاقات الاسلامية و ما لها من دور في تعزيز الكثير من المفاهيم من قبل الوحدة و العزّة و المودّة و تلاحم الصفوف و قوّة شوكة المسلمين.
ثم إنّ التقية من الأحكام الثانوية التي تتطابق مع وظيفة المكلف و إن خالفت الأحكام الأولية. ففي حالة التقية يتغير التكليف و تتحول المسؤولية أمام الحكم الإلهي لتنسجم مع ما يتقضيه الظرف الحاكم و المؤدي إلى الاتقاء لتجعل الملكف أمام تكليف ثانوي آخر،  مقابل ما كان عليه سابقا من الحكم الأوّلي الذي رفعت اليد عنه بسبب الواقع الذي فرض الإتقاء؛ فهي كسائر الأحكام الثانوية كقاعدة نفي الضرر و نفي الحرج و الاضطرار و الاكراه، فاذا عمل المكلف بها يكون قد عمل بالحكم الإلهي الفعلي  و تطابق مع ما تريده الشريعة منه في الوقت الراهن، و لم يكن مخالفا للأمر الإلهي بحال من الاحوال.[8]
و من الآيات التي تشير إلى مشروعية التقية في الفكر الاسلامي هي قوله تعالى: "مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئنِ‏ُّ  بِالْايمَانِ وَ لَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم"[9] و التي نزلت في عمار بن ياسر حين أخذته كفار مكّة فعذبوه، حتى أعطاهم بلسانه ما أرادوا "و قلبه مطمئن بالايمان" فقال له النبي (ص) عندها: يا عمار إنْ عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك.[10]
و من الاساليب التربوية التي اعتمدها الأئمة المعصومون (ع) في تلك الظروف الحالكة اعتماد مبدأ التقية في المواجهة مع السلطات الجائرة، و اعتماد اسلوب الاخفاء و عدم التجاهر بما يثير غضب السلطات و يؤدي إلى القضاء على خط الرسالة و الانتقام من الرجال الموالين له و السائرين على نهج مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
و كان الهدف من وراء ذلك تحقيق مجموعة من الأهداف المهمة من قبيل:
ألف. الحفاظ على تماسك الثلة المؤمنة و الجماعة الخيرة من التلاشي، ففي التقية تحفظ النفس من التهلكة، و يُصان ما دونها من الاَذى.
ب. في التقية تصان الطاقات من الهدر فلا تضيع جهود المؤمنين في قضايا جانبية بل تحفظ ليستفاد منها في القضايا المصيرية و الحساسة.
ج. في التقية تصان الأسرار، و يحفظ الحق من الاندثار، و يكون قادته و اتباعه في مأمن من الأخطار.
د. التقية تؤدي إلى وحدة المسلمين بحسن المعاشرة فيما بينهم، و مخالطة بعضهم بعضاً، فالمصافحة و البشاشة، و الحضور المشترك في أماكن العبادة، و تشييع الجنائز، و عيادة المرضى، لاشك أنها تزيل الضغائن، و ترفع الأحقاد الموروثة، و تحوّل العداوة إلى مودة و مؤآخاة.
و غير ذلك من الفوائد المستوحاة من الآيات المباركة و الاحاديث الشريفة التي رسمت الخط العام لحفظ النظام الفكري الاسلامي عامة و الشيعي خاصة.[11] فقد روي عن الإمام  الباقر (ع) أنّه قال: "التَّقِيَّةَ دِينِي وَ دَيْنُ آبَائِي وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّة".[12]
و روي عن الإمام  الصادق (ع) أنّه قال: "إِنَّ أَبِي كان يقُولُ: أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَقَرُّ لِلْعَيْنِ مِنَ التَّقِيَّةِ إِنَّ التَّقِيَّةَ جُنَّةُ الْمُؤْمِنِ"[13] فالتقية حرز و تُرس المؤمن عند الجهاد  و المواجهة على جميع المستويات و لا تعني بحال من الأحوال الإنزواء و الانطواء على الذات و عدم الحركة في الوسط الاجتماعي و السياسي و العسكري و... فالمؤمن بحاجة إلى التقيّة في حركة الصراع العنيف و ليس التقية ذريعة للتنصل عن المسؤوليات.
وجاء في مكاتبة الإمام  الهادي عليه السلام لداوُد الصَّرْمِيِّ قال: قال: لي يا دَاوُدُ لَوْ قُلْتُ إِنَّ تَارِكَ التَّقِيَّةِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ لَكُنْتُ صَادِقاً.[14]
و في رواية أخرى عن الإمام  الصادق عليه السلام أنّه قال: ليسَ منَّا من لم يلزَمِ التَّقِيَّةَ و يصُونُنَا عن سَفِلَةِ الرَّعِيَّةِ.[15]
و الجدير بالذكر أنّ الأئمة (ع) رغم العنف العباسي و حالة القهر التي مارسها الحكام ضدهم عليهم السلام إلا أنهم لم يتخلوا عن مواقفهم المعارضة و الرافضة للحكم العباسي و لكن بطريقة بعيدة عن اعين الرقيب و جواسيس السلطات الظالمة.
و هناك من قال بأنّ التقية لم تكن ناشئة من خوف أو مداراة، و الشاهد على ذلك أنّ الإمام  الصادق (ع) لم يكن في ظرف يحتم عليه التقية، و إلا كيف نفسّر موقفه الرافض و الصارم من مبدأ القياس الذي يُعد عماد و اسطوانة الاستنباط الفقهي لدى الأحناف و هم من أبرز المذاهب الفقهية الاسلامية.[16]
مما  لاشك فيه أنّ التقية جائزة في موارد، و واجبة في موارد أخرى، و خلافا لما يعتقده البعض فإنّ التقية (في مكانها المناسب) ليست علامة للضعف، و لا هي مؤشر للخوف من تسلط الأعداء، و لا هي تسليم لهم بقدر ما هي نوع من المراوغة المحسوبة لحفظ الطاقات الإنسانية و عدم التفريط بالأفراد المؤمنين مقابل موضوعات صغيرة و قليلة الأهمية.
و ممّا تعارف عليه عند كل الشعوب أن تلجأ الأقليات المجاهدة و المحاربة إلى أسلوب العمل السرّي غالبا، و ذلك لحفظ حياة الأفراد و تهيئة الظروف لإكثارهم، فتشكّل مجموعات سرّية و تضع لأنفسها برامجا غير معلنة على غيرهم، حتى أنّ البعض من أفرادهم يحاول أن يتنكر حتى في زيه، و إذا ما تمّ اعتقالهم من قبل السلطة المعادية لمبادئهم فيحاولون جهد الإمكان إخفاء حقيقة أمرهم كي لا تخسر المجموعة كل طاقاتها، و لتكون قادرة على مواصلة الطريق بالبقية المتبقية منهم.
و العقل لا يجيز في ظروف كهذه أن تعلن المجموعة المجاهدة قليلة العدد عن نفسها، لكي لا يعرفها العدو بسهولة و هو القادر على القضاء عليها بما يملك من بطش و تسلط.
فالتقية قبل أن تكون برنامجا إسلاميا هي أسلوب عقلاني و منطقي، ينفذه و يعمل به من يعيش صراعا مع عدو قوّي متمكن منه.[17]
و الاعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين، و لا هم لشارعه إلا ظهور الحق و حياته، و ربما يترتب على التقية و المجاراة مع أعداء الدين و مخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين و حياة الحق ما لا يترتب على تركها، و إنكار ذلك مكابرة و تعسف.[18]
و الجدير بالذكر أنّ التقية تحرم فيما اذا انجرت إلى تشتيت الصفوف و القضاء على الثلة المؤمنة و هدم الدين، أو ترتب عليها فساد كبير، ففي مثل هذه الموارد لابد من التصدّي لمبدأ التقية و رفض العمل به و الاعلان عن المواقف التي تريدها الشريعة  و تحمّل النتائج المترتبة عليها كما فعل ذلك الإمام  الحسين عليه السلام.
و بالجملة الكتاب و السنة متطابقان في جوازها في الجملة، و الاعتبار العقلي يؤيدها.
اذا اتضح ذلك نشرع في الخوض في الاجابة عن السؤال المطروح:
يظهر أن السؤال المطروح إستند – و لاسباب عدة- لفرضيات و أصول غير واقعية، الأمر الذي انعكس سلباً على عمق السؤال و موضوعيته؛ و ذلك:
1- لم تنطلق التقية دائما من الخوف و الخشية كما تصوّر السائل خطأً، بل هناك عوامل كثيرة للتقية أحدها الخوف و المعبّر عنها بالتقية الخوفية أو الاكراهية.
قال الإمام  الخميني (ره) في مطلع بحث التقية: لما كانت التقية تستند إلى مجموعة من الأركان كالمتقي و المتقى منه و المتقى فيه، فمن هنا تقسّم إلى عدّة اقسام، منها: التقسيم بلحاظ ذات التقية إلى التقية الخوفية و المداراتية و الكتمانية و الاكراهية.[19]
2- لا ينحصر الخوف و الخشية في الخوف و الخشية على نفس المتقي و كرامته، بل هي اوسع من ذلك؛ و ذلك لأن التقية الخوفية قد تحصل تارة بسبب الخوف على النفس  و العرض و كرامة الشخص نفسه أو من يهمه شأنهم، و تارة بسبب احتمال تعرض المؤمنين للضرر، و قد تحصل أحيانا بسبب احتمال تعرّض الكيان الاسلامي للخطر كالخشية من وقوع المسلمين في الفرقة و التناحر.
3 – صحيح أن الأئمة عليهم السلام لا يخشون الموت لانهم في قمة المعرفة الإلهية و العشق الرباني، بل لا ينحصر ذلك بهم حيث نجد صالح المؤمنين لا يخشون الموت أيضاً؛ لأنّ الموت قنطرة للعبور إلى لقاء الله تعالى، و لا شك أنّ العاشق يتلهف إلى لقاء حبيبه؛ إلا أنّه من غير الصحيح الادعاء بأنّهم يموتون باختيار منهم و إذن مسبق، لقوله تعالى "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حينَ مَوْتِها وَ الَّتي‏ لَمْ تَمُتْ في‏ مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتي‏ قَضى‏ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى‏ إلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".[20] فانّ الله تعالى لم يستأذن أحداً في قبض روحه و لو كان من الانبياء و الأئمة و الصالحين. نعم، لا ينبغي الخلط بين علم الشخص أحياناً بموته و بين الإذن منه في قبض روحه. يضاف إلى ذلك أن البعض من العلماء فسّر علم الأئمة عليهم السلام بأنّهم لو شاؤوا علموا.
4- اما القسم الآخير من السؤال و الذي جاء فيه: أما التقية مقابل الخوف من التعذيب و الاهانة و التحقير، فلا ريب أنه من وظائف الأئمة عليهم السلام الأولى في تحمل ذلك دفاعا عن دين جدّهم، فلماذا التقية؟ ينبغي القول – كما مرّ- أوّلاً: إن التقية لا تنحصر في الخشية و تحمل المشاق، و ثانياً:  لو فرضنا أن التقية تنطلق من الخشية فليس المراد من الخشية بالضرورة الخشية على نفس المتقي أو ماء وجهه و حيثيته الاجتماعية، بل ربما تكون منطلقة من الخشية على حياة و حيثيات المؤمنين، بل قد تنطلق من دفع الضررعن الكيان الاسلامي برمته؛ و قد تكون التقية – مثلا- منطلقة من الحفاظ على وحدة الكيان الاسلامي من التفرق و التشتت، و إنْ كانت أحياناً تنطلق من قضايا خاصّة كالحفاظ على النفس و دفع الضرر عن الحيثية الاجتماعية، و هذا لا يعني الفرار من تحمّل العذاب و الموت الذي هو لا ئق به لأنّ الأصل الأوّلي لدى الانسان الحفاظ على النفس و عدم القائها في التهلكة الإ في موراد خاصّة كما ورد ذلك في قوله تعالى "وَ لا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ"[21]
و لتأكيد هذه الحقية لابد من الاشارة إلى نموذجين من التاريخ، هما:
الف. خروج الإمام  الحسين عليه السلام من مكّة عندما شعر بأنّ الخطر يتهدده فيها و توجه صوب الكوفة مع علمه بأنّه سيقتل قبل الوصول إلى إليها، و قد أثبت عليه السلام بالدليل القاطع عدم خشيته من الموت من خلال مواقفه الصارمة و الشجاعة في ساحة القتال يوم العاشر من المحرّم.
ب. عاشت الأمّة الاسلامية في عصر الإمام  الصادق (ع) حالة من القطيعة بينها و بين القيم الاسلامية بسبب السياسة الأموية القاهرة، الأمر الذي اقتضى أنْ يتصدّى رجل من بيت النبوّة يتوفر على علوم النبي الأكرم (ص) و مزود بالعلوم اللدنية لبيان حقائق الدين و لو عن طريق اعتماد اسلوب التقية لبرهة من الزمن يبقى خلالها حيّا و لم ينل شرف الشهادة مبكراً لتحقيق تلك الغاية الكبرى.
و المتحصل: أنّ الأولياء و الرجال الإلهيين  يتحركون دائما في خط المشيئة الإلهية دائما مقدمين إرادة الله و مشيئته على مشيئتهم و إرادتهم، فان اقتضت الارادة الالهية بقاءهم و العمل بالتقية عملوا بذلك و إنْ كان العكس قدموا انفسهم بكل أريحية في طريق مرضاة الله تعالى بنفوس مطمئنة و راضية بقضاء الله و قدره.
 

[1]. سورة آل عمران : 3 | 28 .
[2]. تاج العروس 10 : 396.
[3]. لسان العرب 15 : 401 . و اُنظر: المصباح المنير، الفيومي 2 : 669، و أساس البلاغة، الزمخشري: 686 مادة (وَقِيَ) .
[4]. تصحيح الاعتقاد،  الشيخ المفيد ص 66.
[5]. التقية، الشيخ الاَنصاري ص 37.  و اُنظر القواعد الفقهية، البجنوردي ج 5 ص 44. و القواعد الفقهية، ناصر مكارم الشيرازي 3 : 13.
[6]. المبسوط،  السرخسي الحنفي، 24 : 45 .
[7]. انظر: التقية في الفكر الاسلامي، ص 11-12، مركز الرسالة، سلسلة المعارف الاسلامية 17.
[8]. مستل من مقال تحت عنوان التقية للسيد نور الدين شريعتمدار السبزواري، منشور في موقع درگاه پاسخگوئي به مسائل دیني.
[9]. النحل، 106.
.[10] المولى محمد محسن الفيض الكاشاني (1007 - 1091 ه‍)، التفسير الأصفى، في ذيل تفسير الآية، ج2، ص 664، مركز الأبحاث والدراسات الاسلامية
[11]. انظر: التقية في الفكر الاسلامي، ص 115- 117؛ و انظر: إمام باقر(ع)، جلوه إمامت در أفق دانش، أحمد ترابي، ص 128.
[12]. بحار الأنوار، ج 75، ص 431.
[13]. وسائل‏الشيعة ج : 16 ص : 211.
[14]. وسائل‏الشيعة ج : 16 ص : 211.
[15]. نفس المصدر، ص12.
[16]. کاوشي در مواضع فرهنگي امام صادق عليه السلام (دراسة في المواقف الفكرية للإمام الصادق عليه السلام)، أحمد مبلغي، موقع حوزه نت.
[17]. مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏8، ص: 340- 341، نشر مدرسة الامام علي بن أبي طالب (ع)، الطبعة الاولى، 1421ق.
[18]. العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏3، ص: 153، نشر مكتب النشر التابع لجامعة مدرسي الحوزة العلمية في قم المقدسة، الطبعة الخامسة، 1417ق.
[19]. انظر: موقع الحوزة، ميقات حج ، شتاء 1378ش، العدد 30.
[20]. الزمر، 42.
[21] البقرة، 195.
س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل تلمذ الامام الصادق (ع) على أحد من علماء العامة؟
    4844 تاريخ کلام
    1. لم یکن الامر بالصورة التی ذکرت فی متن السؤال، و لیس من الصحیح أن یتلمذ الامام (ع) على ید أحد من علماء العامة؛ و ذلک لان الائمة المعصومین فی غنى عن التلمذ على أحد من هؤلاء بالاضافة على توفرهم لتمام العلوم،[1] فهو ...
  • حکم قراءة الموالید المصحوبة بضرب الدف؟
    3269 الحقوق والاحکام
    یری الاسلام حرمة الموسیقی و الترجیع الذی یکون فی الغناء، أی أن القراءة و الأداء و السماع و أخذ الاجرة علیه حرام، و لا یختلف الحال فی هذا النوع من الموسیقی بین المجالس النسائیة و الرجالیة و لا بین مراسیم الموالید و غیرها. و المراد من الغناء هو الترجیع بمد ...
  • ما هو الفرق بین الشیطان و النفس الأمارة؟
    4208 العملیة
    إن هویة الإنسان الحقیقیة التی یعبرون عنها بالنفس لها عدة أوصاف و أبعاد، أشار إلیها القرآن و أجملها فی ثلاث مراتب «الأمارة، اللوامة، المطمئنة». النفس الأمارة تمثل حالة سیطرة المیول الحیوانیة على وجود الإنسان، و هی حالة النفس التی تدعو الإنسان دائماً إلى الرذائل و تأمین متطلبات الشهوة. أما الشیطان فی ...
  • هل أن مدح الله لنفسه فی القرآن یدل -نعوذ بالله- علی غرور الله؟
    3212 الکلام القدیم
    نقول بشکل عام أن مقولة وصف النفس مقولة کلیة و لا تدل علی غرور صاحبها و حبّه للظهور إلا فی بعض المفردات التی قد یترآى منها ذلک لاول وهلة، و لکن و لو تأمّلنا فی العبارات و الحجج التی أوردها الله سبحانه فی القرآن لأجل الثناء علی نفسه ...
  • لو قدر لانسان ما الموت فی کوکب آخر فهل یحشر فی الارض أیضا؟ و کیف؟
    4578 الکلام القدیم
    بالنسبة الى حشر من یتوفى فی کوکب آخر غیر الارض لابد من الالتفات الى أن الارض التی یحشر الناس علیها تختلف اختلافا جوهریا عما نتصوره، حیث الآیات تشیر الى هذه الحقیقة "یَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَیْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماوات".
  • ما المراد بالأخلاق التکاملیة؟ و ما هی الأسس و القواعد التی تقوم علیها؟
    4719 الفلسفة الاخلاق
    الأخلاق التکاملیة: نطریة فی الأخلاق تعتقد أن الاختیار الطبیعی هو المنشأ الحی للأخلاق، و أول من طرح هذه النظریة جارلز دارون ثم جاء من بعده هربرت سبنسر ودافع عن النظریة بشکل جاد.و قد واجهت هذه النظریة عدة إشکالات و تساؤلات و عقبات غیر قابلة للدفاع من قبل العلماء الفلاسفة. ...
  • ما المراد من الحديث القائل: "خير للمرأة ان لا ترى الرجل و لا الرجل يراها"؟
    11170 العملیة
    لم يرد الحديث المذكور في الكتب الاربعة الاساسية للشيعة. و انما روي في مصادر أخرى كدعائم الاسلام[1] و مناقب ابن شهر آشوب[2]، بلا سند و بصورة مختصرة. انطلاقا من ذلك – عدم وروده في المصادر الاساسية و عدم ذكر ...
  • هل یمکن أن یحل بعض الأرواح فی وجود شخص آخر. ثم ما المقصود من التشعشعات الدفاعیة؟
    4483 النظری
    إن عقیدة الحلول و التناسخ مرفوضة فی الإسلام لکونها تستلزم إنکار المعاد و الجنة و النار، و لکن یمکن مشاهدة حضور الأرواح و الارتباط بهم، و إن لم یحبذ ذلک.مضافا إلى أن التمسک بالتشعشعات الدفاعیة باعتبارها عاملا خارجیا لا علاقة له ...
  • ما هي مبررات اعتماد الأئمة لمبدأ التقية في حياتهم؟
    1600 تقیه
    لم تنطلق التقية دائما من الخوف و الخشية كما تصوّر السائل خطأً، بل هناك عوامل كثيرة للتقية أحدها الخوف و المعبّر عنها بالتقية الخوفية أو الاكراهية. ولما كانت التقية تستند إلى مجموعة من الأركان كالمتقي و المتقى منه و المتقى فيه، فمن هنا تقسّم إلى عدّة اقسام، منها: ...
  • ما هی علامات الظهور و ماهی العلامة المؤثقة منها؟
    6110 الکلام القدیم
    ان البحث فی قضیّة الإمام المهدی (عج) و الاهتمام بها و التساؤل حول «الظهور» و «علامات الظهور» من الأُمور المستحسنة و الجدیرة بالاهتمام; و لکن ینبغی الالتفات إلى نکتة مهمة جداً، و هی یجب ان لا یکون الاهتمام بالبحث عن علامات الظهور على ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260127 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    103878 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102055 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100080 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    45789 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    41204 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    40437 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36410 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    34734 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    32488 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...