بحث متقدم
الزيارة
4688
محدثة عن: 2008/12/10
خلاصة السؤال
لماذا ینتقل اهل الجنة من لذة الى اخرى مع عدم فناء الاولى؟
السؤال
ذا کانت لذات الجنة لا یتسرب إلیها الملل فما هو تفسیر ترک أهل الجنة لذة ما و الانتقال إلى غیرها؟
الجواب الإجمالي

یبدو من السؤال أنه فیه نوع مقارنة للخصائص و القوانین الجاریة فی الحیاة الدنیا بما یجری فی الآخرة، فالنقص و العیب و المرض و الضعف و الموت و الحاجة کلها من خصائص الحیاة الدنیا، لکن الآخرة وفقا لما ورد فی الآیات و الروایات لا تشابه فی خصائصها و قوانینها ما هو جار فی هذا العالم.

فرفع الید عن نعمة و الانشغال بغیرها (على فرض وجود هکذا حالة فی الجنة) لیس بسبب الملل من تلک النعمة، بل بسبب تنوع اللذات و تجددها، فالجنة هی الکمال الذی یبتغیه الأنبیاء و الأئمة و الصالحون، و حسب قول أمیر المؤمنین: " فلو رمیت ببصر قلبک نحو ما یوصف لک منها لعزفت نفسک عن بدائع ما أخرج إلى الدنیا من شهواتها، و لذاتها و زخارف مناظرها".

فالانسان فی الجنة فی سعی دائم مستمر، تشرق علیه التجلیات، و یرتقی من التجلیات الجسمانیة نحو رضوان الله، و یستقر فی عالم الربوبیة لیشاهد عالم الخلق.

و المسألة الأخرى المتعلقة بأهل الجنة أن لذتهم تقوم على أساس استضافة الله لهم، فهم یجلسون على مائدة ضیافته، أی هم متصلون بهذه الحقیقة فلا معنى للتعب و الملل فی حقهم.

الجواب التفصيلي

یبدو من السؤال أنه فیه نوع مقارنة للخصائص و القوانین الجاریة فی الحیاة الدنیا بما یجری فی الآخرة، فالنقص و العیب و المرض و الضعف و الموت و الحاجة کلها من خصائص الحیاة الدنیا، لکن الآخرة وفقا لما ورد فی الآیات و الروایات لا تشابه فی خصائصها و قوانینها ما هو جار فی هذا العالم. فلا یوجد فی الجنة جهات عدم و نقص، فتکون اللذة متواصلة لا یتسرب إلیها التغییر و الخلل، یقول تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِیَ الْحَیَوَانُ لَوْ کَانُوا یَعْلَمُونَ)[1]، فعالم الآخرة و کل ما فیه مفعم بالحیاة، و التجدد، و الإنسان فی الجنة دائم السعی لأنه فی معرض مختلف التجلیات، یرتقی من التجلیات الجسمانیة إلى الرضوان الإلهی، و یستقر فی عالم الربوبیة لیشاهد عالم الخلق. فرفع الید عن نعمة و الانشغال بغیرها لیس بسبب الملل من تلک النعمة، بل بسبب تنوع اللذات، و اتصاف النعم الأخرویة بالحیاة و التجدد.

«الجنة» منزل رفیع خالد، و هی الکمال المقصود لجمیع الأنبیاء و الأولیاء، و المؤمنین، و بعبارة أشمل هی غایة آمال کل عباد الله الصالحین.

الإمام علی(ع) یصف جانبا من نعم الجنة فی أحد خطبه قائلا:

"فلو رمیت ببصر قلبک نحو ما یوصف لک منها لعزفت نفسک عن بدائع ما أخرج إلى الدنیا من شهواتها و لذاتها و زخارف مناظرها، و لذهلت بالفکر فی اصطفاق أشجار غیبت عروقها فی کثبان المسک على سواحل أنهارها، و فی تعلیق کبائس اللؤلؤ الرطب فی عسالیجها و أفنانها، و طلوع تلک الثمار مختلفة فی غلف أکمامها. تحنى من غیر تکلف فتأتی على منیة مجتنیها، و یطاف على نزالها فی أفنیة قصورها بالأعسال المصفقة، و الخمور المروقة. قوم لم تزل الکرامة تتمادى بهم حتى حلوا دار القرار، و أمنوا نقلة الأسفار. فلو شغلت قلبک أیها المستمع بالوصول إلى ما یهجم علیک من تلک المناظر المونقة لزهقت نفسک شوقا إلیها، و لتحملت من مجلسی هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها"[2].

النقطة الأخرى التی ینغی الالتفات الیها أن الجنة هی الجائزة الإلهیة للمؤمنین التی وعدهم الله ایاها ثوابا و تفضلا لتجارتهم مع الله سبحانه. أساس استضافة الله لهم، فهم یجلسون على مائدة ضیافته، أی هم متصلون بهذه الحقیقة فلا معنى للتعب و الملل فی حقهم. فی الحیاة الدنیا لذة النکاح و الطعام اللذیذ و الشراب المنعش یضعف تأثیره و یزول بالتدریج، بسبب نقص هذه الدنیا، و لو فرضنا أنه لا یوجد هناک أی نقص؛ فلن یتحول السرور و البهجة إلى غم و حزن أبدا، و کل لذة ستبقى خالدة إلى الأبد، دون أی نوع من الضعف و الفتور.

و کأن القرآن یجیب عن هذا التساؤل بعینه قال تعالى: «ان الذین امنوا و عملوا الصالحات کانت لهم جنات الفردوس نزلا، خالدین فیها لایبغون عنها حولا»[3]. فلا یواجه أهل الجنة أی شعور بالملل و التعب، و لا یرغبون بالتحول عنها.



[1] - العنکبوت، 64.

[2] - نهج البلاغة، خ 165.

[3] - الکهف، 108.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • ما هی مدة ترک الذنب التی تضمن عدم عودة الانسان الیه؟
    2967 العملیة
    لم نعثر علی آیة أو روایة فی هذا المجال، نعم ورد فی الروایات ان من أخلص لله أربعین یوماً او صباحا و عمل فیها لرضا الله، فان الله یجری حکمته علی قلبه و لسانه؛ و ینبغی الالتفات ضمناً الی عدة ملاحظات أیضاً:1. ان الانسان مادام فی هذه الدنیا لا ...
  • هل یتنافى استعمال الإمام للتقیة مع عصمته؟
    4453 الکلام القدیم
    تعد التقیة من الاسالیب المعتمدة لحفظ الدین الحنیف و التی تحظى بتأیید من العقل و القرآن الکریم و الاحادیث المنقولة فی کتب الفریقین الشیعة و السنة معاً، حیث نرى فی القرآن الکریم مدحاً و ثناءً على اتقاء عمار بن یسار المشرکین، و هکذا یذکر اتقاء مؤمن آل ...
  • ما هی علامات ظهور الامام المهدی (عج)؟
    10130 الکلام الجدید
    البحث فی علامات الظهور من البحوث الدقیقة و الشائکة نوعاً ما والتیتحتاج الى دراسة جمیع الروایات الواردة فی هذا المجال، ولکن المستفاد من الروایات - و علی نحو الاجمال – تقسیم علامات الظهور الی طائفتین:علامات الظهور الحتمیة، و هی عبارة عن: ...
  • اذا کان للأب ثلاث زوجات، و کان له أولاد من زوجتیه المیتتین فکیف یقسم الارث؟
    3253 ارث
    تقسم اموال أمکم بین ابنائها و زوجها فقط، و لا سهم للاخوة من الزوجة الاخری في هذه الاموال و كذلك لا سهم للمرأة الثالثة. و یمکنکم الاستیلاء علی ارث امکم و تقسیمه بین ورثتها، کما و یمکنکم ان تجعلوا جزء من حصتکم او کلها لفترة محددة تحت ...
  • ما هو حکم التحکم بالجینات و الجنین الذی یولد بهذه الطریقة؟
    3031 الحقوق والاحکام
    هناک عدة أقسام للتحکم بالجینات فی دائرة العلوم الطبیة و من الطبیعی أن یختلف الحکم تبعاً لکل قسم و نوع. و لکن الحکم الکلی العام یکون بالکیفیة التالیة: إذا کان عمل التحکم بالجینات سواء فی أعضاء الجنین أو حیمن الرجل أو بویضة المرأة یستهدف الحد من الأمراض الوراثیة التی تنتقل ...
  • من هو الذی یملک الصلاحیة للحکم على من یدعی الإتیان بمثل القرآن؟
    3147 علوم القرآن
    إن الحکم و إبداء الرأی فی کل فن و اختصاص یعود لأصحاب الاختصاص فإذا ادعى أحدٌ أنه جاء بنصٍ مثل القرآن فإن صاحب الحق فی الحکم على صحة هذا الادعاء و عدمها من له خبرة بشؤون اللغة کالبلاغة و البیان و غیرها من علوم اللغة و القرآن. فالقرآن معجزة النبی ...
  • ما الدلیل العقلی علی توحید الله؟
    5076 الکلام القدیم
    التوحید أهم أصل من اصول الأدیان الإبراهیمیة، و هو بمعنی الإعتقاد بأن الله تعالی واحد، و فی مقابله الشرک بالله. و ان نفی کل أنواع الشریک و الشبیه و النظیر و کل أنواع الترکیب العقلی و الخارجی و الوهمی عن الله و اثبات بساطة الباری تعالی، کل ذلک یندرج فی ...
  • لماذا لم ینزل العقاب بجیش یزید لمّا أمر بحرق الکعبة، إن وقع ذلک منهم فعلا؟
    3922 تاريخ کلام
    لایرتاب باحث أن فترة حکم یزید (لعنه الله) القصیرة قد شهدت ثلاث جرائم بشعة جدا اولیها قتل الامام الحسین (ع) ثم واقعة الحرة و ثالثتها حرق الکعبة المشرّفة. و نحن اذا راجعنا تاریخ هؤلاء المجرمین نجد أنه قد حل بهم العذاب فی الدنیا قبل الاخرة و لکن لیس بصورة جماعیة ...
  • هل أخذ المسلمون قاعدة اللطف من المسیحیین؟
    3867 الکلام القدیم
    قاعدة الفیض عند المسیحیین لها اهمیة خاصة، و هي قریبة الی حد ما من قاعدة اللطف عند المسلمین. و رغم تشابه هاتین القاعدتین في بعض الموارد، الا ان بینهما اختلافات عمیقة، بحیث ان اتباع احدی القاعدتین لا یدرجون ضمن اتباع القاعدة الاخری. و هذا الامر یقلل کثیراً ...
  • کیف تسنّى لابلیس دخول الجنة و قد طرد منها؟
    3198 التفسیر
    من المحتمل عدم حاجة الشیطان لعقد علاقة مع الانسان و الوسوسة له، الى الحضور المادی الجسدی، فقد یکون قد اخترق المکان و وسوس لهما لا بجسده حتى یرد الاشکال المذکور. و لکن مع ذلک نجد الباحثین و المفسرین ذکروا مجموعة من الآراء فی خصوص هذه القضیة المطروحة، و هی:1. ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260601 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    114449 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102712 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100374 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46090 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43201 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41533 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36775 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35003 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33117 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...