بحث متقدم
الزيارة
5170
محدثة عن: 2012/04/19
خلاصة السؤال
ما المراد من قوله تعالى {إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیلاً }؟
السؤال
ما المراد من قوله تعالى {إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیلاً }؟
الجواب الإجمالي

المراد من القول الثقیل فی الآیة المبارکة هو القرآن الکریم، و قد وجهه المفسرون بتوجیهات متعددة، من قبیل أن: القرآن قول إلهی ثقیل من حیث تلقی معناه فإنه کلام إلهی مأخوذ من ساحة العظمة و الکبریاء لا تتلقاه إلا نفس طاهرة من کل دنس منقطع عن کل سبب إلا الله سبحانه. و من حیث القیام بما یشتمل علیه من أمر الدعوة و إقامة مراسم الدین الحنیف، و إظهاره على الدین کله فیشهد به ما لقی (ص) من المصائب و المحن فی سبیل الله و الأذى فی جنب الله على ما یشهد به الآیات القرآنیة الحاکیة لما لقیه النبی (ص) من المشرکین و الکفار و المنافقین و الذین فی قلوبهم مرض من أنواع الإیذاء و الهزء و الجفاء.

الجواب التفصيلي

الثقل کیفیة خاصة للاجسام، تؤدی الى صعوبة حمل الشیء و نقله الى مکان آخر، و قد تستعمل هذه المفردة "الثقل" فی غیر الاجسام المادیة استعمالا مجازیا على نحو الاستعارة، فیقال على سبیل المثال: کان الدرس الیوم ثقیلا؛ بمعنى أنه کان استیعابه من قبل التلامیذ ثقیلا و صعبا، أو یقال: ان الخطاب الیوم احتوى على ابحاث علمیة معقدة من الصعب تحملها و استیعابها من قبل عموم الناس. فقد جاء استعمال المفردة فی مثل هذه العبارات و اطلاقها على الامور المعنویة إذ مما لاریب فیه أن ثقل المطالب و الابحاث العلمیة لیس من قبیل ثقل الاشیاء المادیة، و هکذا اذا استعمل الکلمة فی الاوامر و النواهی التی یعصب تحملها و الثبات علیها.

و من هنا قال العلامة الطباطبائی (ره): فربما أضیف الثقل إلى القول من جهة معناه فعد ثقیلا لتضمنه معنى یشق على النفس إدراکه أو لا تطیق فهمه أو تتحرج من تلقیه کدقائق الأنظار العلمیة إذا ألقیت على الأفهام العامة، أو لتضمنه حقائق یصعب التحقق بها أو تکالیف یشق الإتیان بها و المداومة علیها.

و القرآن قول إلهی ثقیل بکلا المعنیین: أما من حیث تلقی معناه فإنه کلام إلهی مأخوذ من ساحة العظمة و الکبریاء لا تتلقاه إلا نفس طاهرة من کل دنس منقطع عن کل سبب إلا الله سبحانه، و کتاب عزیز له ظهر و بطن و تنزیل و تأویل تبیانا لکل شی‏ء، و قد کان ثقله مشهودا من حال النبی (ص) بما کان یأخذه من البرحاء و شبه الإغماء على ما وردت به الأخبار المستفیضة.

و أما من حیث التحقق بحقیقة التوحید و ما یتبعها من الحقائق الاعتقادیة فکفى فی الإشارة إلى ثقله قوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَیْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْیَةِ اللَّهِ وَ تِلْکَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ»[1]، و قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُیِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ کُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏»[2].

و أما من حیث القیام بما یشتمل علیه من أمر الدعوة و إقامة مراسم الدین الحنیف، و إظهاره على الدین کله فیشهد به ما لقی (ص) من المصائب و المحن فی سبیل الله و الأذى فی جنب الله على ما یشهد به الآیات القرآنیة الحاکیة لما لقیه النبی (ص) من المشرکین و الکفار و المنافقین و الذین فی قلوبهم مرض من أنواع الإیذاء و الهزء و الجفاء.

فقوله: «إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلًا ثَقِیلًا» المراد بالقول الثقیل القرآن العظیم على ما یسبق إلى الذهن من سیاق هذه الآیات النازلة فی أول البعثة، و به فسره المفسرون.

و الآیة فی مقام التعلیل للحکم المدلول علیه بقوله: «قُمِ اللَّیْلَ» إلخ فتفید بمقتضى السیاق- و الخطاب خاص بالنبی (ص)- أن أمره بقیام اللیل و التوجه فیه إلیه تعالى بصلاة اللیل تهیئة له و إعداد لکرامة القرب و شرف الحضور و إلقاء قول ثقیل فقیام اللیل هی السبیل المؤدیة إلى هذا الموقف الکریم و قد عد سبحانه صلاة اللیل سبیلا إلیه فی قوله الآتی: «إِنَّ هذِهِ تَذْکِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِیلًا»..... و إذ کان من ثقل القرآن ثقله من حیث التحقق بحقائقه و من حیث استجابته فیما یندب إلیه من الشرائع و الأحکام فهو ثقیل على الأمة کما هو ثقیل علیه (ص). و معنى الآیة إنا سنوحی إلیک قولا یثقل علیک و على أمتک. أما ثقله علیه (ص) فلما فی التحقق بحقائقه من الصعوبة و لما فیه من محنة الرسالة و ما یتبعها من الأذى فی جنب الله و ترک الراحة و الدعة و مجاهدة النفس و الانقطاع إلى الله مضافا إلى ما فی تلقیه من مصدر الوحی من الجهد، و أما ثقله على أمته فلأنهم یشارکونه (ص) فی لزوم التحقق بحقائقه و اتباع أوامره و نواهیه و رعایة حدوده کل طائفة منهم على قدر طاقته.

و للقوم فی معنى ثقل القرآن أقوال أخر:

منها: أنه ثقیل؛ بمعنى أنه عظیم الشأن متین رصین کما یقال: هذا کلام له وزن إذا کان واقعا موقعه.

و منها: أنه ثقیل فی المیزان یوم القیامة حقیقة أو مجازا بمعنى کثرة الثواب علیه.

و منها: أنه ثقیل على الکفار و المنافقین بما له من الإعجاز و بما فیه من الوعید.

و منها: أن ثقله کنایة عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقیل من شأنه أن یبقى و یثبت فی مکان. و غیر ذلک من التفسیرات.[3]



[1] الحشر، 21.

[2] الرعد، 31.

[3] العلامة الطباطبائی، السید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج‏20، ص: 61- 63، مکتب النشر التابع لجماعة المدرسین فی قم، الطبعة الخامسة، 1417هـ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    267298 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    192373 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    111001 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    103287 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    75457 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    50178 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    50156 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    41557 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    39408 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    39373 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...