بحث متقدم
الزيارة
22412
خلاصة السؤال
ما المراد بيوم التغابن
السؤال
ما المراد بيوم التغابن؟ و لماذا سمّي ذلك اليوم بيوم التغابن؟
الجواب الإجمالي

يوم التغابن أحد اوصاف يوم القيامة الذي يحشر الناس فيه، و المراد من التغابن أن السعداء و الاشقاء يشعرون بالغبن في ذلك اليوم، فالسعداء يندمون على قلة العمل الصالح الذي قاموا به و التقصير في كسب الفضائل و عدم استغلال الفرصة التي منحت لهم على اكمل وجه، و لماذا لم يكثروا من الصالحات و لماذا لم يعدوا أنفسهم اعداداً يمكنهم من الارتقاء أكثر في مدارج الكمال، بل يمتنى الفقراء ان لو لم يتصدق عليهم أحد ولو بدرهم او لقمة من طعام لينالوا جزاء ذلك من يد الباري تعالى، و هكذا يشعر المذنبون و الكافرون بالغبن و يندمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى و يتمنون ان لو كانوا في صفوف المؤمنين الاتقياء.

و في الحقيقة ان الغبن في الآية إستعارة من التاجر الذي خسر في معاملته، و أنه ضم الى عدم الربح خسارة في رأس ماله. و هكذا يكون حال الكافرين و الاشقياء حال ذلك التاجر حيث انهم افنوا حياتهم في طريق لو سلكوا غيره لتمكنوا من الكمال و نيل الفيوضات الالهية في جميع عوالم الوجود، الا انهم أهدروا تلك الثروة العظيمة فوقفوا يوم القيامة موقف ذلك التاجر المنكسر الخارس لرأس ماله، يعيشون الحسرة و الندم على ما فرطوا به.

الجواب التفصيلي

"ذلك يوم التغابن"[1] و هذا المقطع جزء من الآية التاسعة من سورة التغابن التي كانت بصدد الحديث عن يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه العباد ليرورا ثمار أعمالهم و سلوكياتهم الدنيوية، و قد عبّرت الآية المباركة عنه بيوم التغابن.

و قد اختلف كلمة المفسرين في بيان سبب التسمية انطلاقا من الروايات، فتبنى كل فريق منهم نظرية خاصة في هذا المجال، من المناسب الاشارة  اليها بعد بيان المعنى اللغوي للمفردة.

قال الراغب الاصفهاني: الغَبْنُ: أن تبخس صاحبك في معاملة بينك و بينه بضرب من الإخفاء، فإن كان ذلك في مال يقال: غَبَنَ فلانٌ، و إن كان في رأي يقال:غَبِنَ ، و غَبِنْتُ كذا غَبَناً: إذا غفلت عنه فعددت ذلك غَبَناً، و يوم التَّغَابُنِ: يوم القيامة لظهور الغَبْنِ في المبايعة المشار إليها بقوله: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة/ 207]، و بقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...الآية [التوبة/ 111]، و بقوله: الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران/ 77]، فعلموا أنّهم غُبِنُوا فيما تركوا من المبايعة، و فيما تعاطوه من ذلك جميعا، و سئل بعضهم عن يوم التَّغَابُنِ؟ فقال: تبدوا الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في الدّنيا، قال بعض المفسرين: أصل الْغُبْنِ: إخفاء الشي‏ء، و الْغَبَنُ بالفتح: الموضع الذي يخفى فيه الشي‏ء.[2]

بعد معرفة المعنى اللغوي للكلمة نشير الى آراء المفسرين فيها:

الاول. الغبن في الآية إستعارة من التاجر الذي خسر في معاملته، و أنه ضم الى عدم الربح خسارة في رأس ماله. و هكذا يكون حال الكافرين و الاشقياء حال ذلك التاجر حيث انهم افنوا حياتهم في طريق لو سلكوا غيره لتمكنوا من الكمال و نيل الفيوضات الالهية في جميع عوالم الوجود، الا انهم أهدروا تلك الثروة العظيمة فوقفوا يوم القيامة موقف ذلك التاجر المنكسر الخارس لرأس ماله، يعيشون الحسرة و الندم على ما فرطوا به.[3]

الثاني: "يوم التغابن" هو الذي اليوم " یغبن أهل الجنة أهل النار"، كما يقول الامام الصادق (ع)[4] ؛ يعني أن لكل إنسان مكاناً في الجنّة و آخر في جهنم، فإن ارتكب عملا استحق به جهنم فإن مكانه في الجنّة سوف يمنح لغيره، و إن عمل عملا صالحا استحق به الجنّة، فيمنح مكانا في الجنّة و يترك مكانه في جهنم لغيره.[5] و بعبارة أخرى: التغابن تفاعل من الغبن و هو أخذ شر و ترك خير أو أخذ خير و ترك شر فالمؤمن ترك حظه من الدنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شر له و أخذ ما هو خير له فكان غابنا و الكافر ترك حظه من الآخرة و أخذ حظه من الدنيا فترك الخير و أخذ الشر فكان مغبونا فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون.[6]

الثالث: يوم التغابن يعني أن السعداء و الاشقاء يشعرون بالغبن في ذلك اليوم، فالسعداء يندمون على قلة العمل الصالح الذي قاموا به و التقصير في كسب الفضائل و عدم استغلال الفرصة التي منحت لهم على اكمل وجه، و لماذا لم يكثروا من الصالحات و لماذا لم يعدوا أنفسهم اعداداً يمكنهم من الارتقاء أكثر في مدارج الكمال، بل يمتنى الفقراء ان لو لم يتصدق عليهم أحد ولو بدرهم او لقمة من طعام لينالوا جزاء ذلك من يد الباري تعالى، و هكذا يشعر المذنبون و الكافرون بالغبن و يندمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى و يتمنون ان لو كانوا في صفوف المؤمنين الاتقياء.[7]

تحصل: ان يوم التغابن يعم الجميع الا الاولياء الالهيين كالانبياء و الرسل و الائمة الذين استغلوا الفرصة التي وهبها الله لهم على أكمل وجه و لم يفرطوا في شيء منها ففازوا بالفردوس الاعلى و رضوان من الله أكبر.

 


[1] التغابن، 9.

[2] الراغب الاصفهاني، مفردات الفاظ قرآن، ماده «غبن».

[3] أمین، السیدة نصرت، مخزن العرفان در تفسير قرآن= مخزن العرفان في تفسير القرآن، ج ‏12، ص 345- 346، نهضت زنان مسلمان، طهران، 1361ش.

[4] . الشیخ الصدوق، معانى الاخبار، ص 156، جامعه مدرسین، قم، 1361ش.

[5] انظر: مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏15، ص: 169، نشر مدرسة الامام علي بن ابي طالب (ع)، قم، الطبعة الاولى، 1421هـ؛ و انظر: شریف لاهیجي، محمد بن علي، تفسير شريف لاهيجي، ج ‏4، ص 491، دفتر نشر داد، طهران، 1373ش.

[6] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج ‏10، ص 450، ناصر خسرو، طهران، 1372ش.

[7] طیب، سید عبد الحسین، أطيب البيان في تفسير القرآن، ج ‏13، ص 40، اسلام، طهران، 1378ش.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    248332 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    87880 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    76244 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    38755 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    31886 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    25291 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    23900 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    22651 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ما المراد بيوم التغابن
    22412 التفسیر 2012/06/14
    يوم التغابن أحد اوصاف يوم القيامة الذي يحشر الناس فيه، و المراد من التغابن أن السعداء و الاشقاء يشعرون بالغبن في ذلك اليوم، فالسعداء يندمون على قلة العمل الصالح الذي قاموا به و التقصير في كسب الفضائل و عدم استغلال الفرصة التي منحت لهم على اكمل وجه، ...
  • ما هو الموقف القرآني من صفتي الاسراف و التبذير؟ و ما هي الآثار المترتبة عليهما؟
    20627 العملیة 2012/07/07
    الفكر الاسلامي فكر شمولي جاء لمعالجة جميع الزوايا في حياة الانسان و وضع البرامج الناجعة لكل مفاصل الحياة، كذلك يتصف الفكر الاسلامي بالوسطية حيث يدعو اتباعه دائماً الى الاعتدال و اجتناب الافراط و التفريط، و الانتفاع بالنعم الالهية بعيداً عن الاسراف و التبذير. و قد عرف الاسراف ...

الروابط