بحث متقدم
الزيارة
4523
محدثة عن: 2009/12/10
خلاصة السؤال
لماذا تؤکد بعض المجالس على إبراز و شرح مظلومیة الإمام الحسین و إظهاره کشخصٍ مظلوم؟
السؤال
لماذا تؤکد بعض المجالس على إبراز و شرح مظلومیة الإمام الحسین و إظهاره کشخصٍ مظلوم؟
الجواب الإجمالي

من اللازم أن نعرف أن المصائب التی سبقت شهادة الإمام الحسین و المصائب التی أعقبتها کانت سبباً فی إظهار جانب المظلومیة بالنسبة إلى الإمام الحسین(ع) و عندما نحلل مصطلح المظلومیة المنسوبة إلى الإمام الحسین(ع) فلیس معنى ذلک أنه کان شخصاً ضعیفاً یقبل الظلم الواقع علیه، و لکنها المظلومیة المقارنة للعزة و الکرامة، و هذا لا یتنافى مع عظمة شخصیته بأی حال من الأحوال و عندما نحاول بیان المصائب التی واجهها الإمام(ع) فلا بد من الإشارة إلى الظلم الذی مارسه الأعداء بحقه و المظلومیة التی تعرض لها مع أهل بیته(ع).

و من البدیهی أنه إن کان المراد من بیان مظلومیة الإمام هو إظهار الظلم الذی ارتکبه الأعداء بحقه فهذا أمرٌ مشروع و جائز، بل أمرٌ لازم، و إذا کان المراد إظهار الإمام بمظهر الضعف و الاستکانة و الخضوع للظلم و الجور، فهذا بیان باطل و من المسلم أنه حرام.

و علیه فبیان مظلومیة الإمام یعنی إظهار ما وقع علیه و على أصحابه من ظلم و اعتداء، و هذا لا یتنافى مع العزة و الکرامة بالنسبة لهذا الإمام العظیم. بل إن طرح الأمر بهذا الشکل فیه إظهار و تأکید على عزة سید الشهداء و أصحابه. و لذلک فإننا نعتقد بلزوم بیان و إظهار هذا الأمر و تحلیله و تفسیره.

و من الطبیعی أن إظهار الحسین(ع) باعتباره إنساناً مظلوماً أمرٌ له أسباب و علل و أهداف أخرى؛ مثل إیقاظ الأفکار العامة و تحریکها و تسلیط الضوء على ما ارتکبه الأعداء من جرائم و جنایات و کل ذلک یشکل مشعلاً یضیء الطریق أمام الأجیال المقبلة و... .

الجواب التفصيلي

قبل الشروع فی الإجابة نرى من اللازم أن نقول أولاً: هناک روایات تدل على أن صفة «المظلومیة» أطلقت على جمیع الأئمة(ع) کالحدیث المروی عن النبی الأکرم(ص) حیث قال: «فقال إِی و الَّذِی أَرسل محمَّداً إِنهُ بِعهد مِنِّی و علِیٍّ و فاطِمة و الحسنِ و الحسینِ و تِسعةِ أَئِمَّة و کلِّ من هو مِنَّا و مظلُومٍ فِینا»[1].

ثانیاً: إن النبی الأکرم(ص) و الأئمة(ع) کانت لهم عنایة خاصة و تأکید على مظلومیة الإمام الحسین(ع) من خلال إقامة العزاء و إعادة الذکرى حتی قال أخوه الحسن (ع) فی حقه: «لا یوم کیومک یا أبا عبد الله»[2]. أنهم کانوا یلحقون صفة المظلوم بالامام عندما یأتی ذکره (ع)[3]. و من المستحسن أن نعلم أنه ورد فی الحدیث عن الإمام الصادق(ع) أن الآیة 33 من سورة الإسراء[4] نسبت إلى مظلومیة الإمام الحسین(ع).[5]

و کل ما تقدم یدل على أن إضفاء المظلومیة على الإمام الحسین أمرٌ کان یحظى بقبول النبی(ص) و الأئمة من أهل البیت(ع).

و حیث علمنا أن النبی و أهل بیته أطلقوا صفة المظلوم على الإمام الحسین و أکدوا علیها فلا بد لنا أن نفسر و نحلل معنى هذه المظلومیة و ما المراد منها و ما هی مدلولاتها؟ و من هنا یمکن القول أن المظلومیة یمکن أن تفسر على نوعین من التفسیر:

1ـ المظلومیة تعنی أن الإمام کان ضعیفاً مستسلماً للظلم الواقع علیه و بهذا یفصل الإمام عن الاتصال بالقدرة الأزلیة المتناهیة.

2ـ المظلومیة التی ننسبها إلى الإمام لا تعنی الضعف و الاستسلام بل لإیضاح المصائب التی واجهته و اضطر لمواجهتها مع أهل بیته و هنا لا بد من ذکر ما صدر من ظلم الأعداء و جورهم و جنایاتهم بحقه. و لذلک یقول الشهید المطهری أن المظلومیة یمکن أن تفسر بمعنیین: أحدهما قبول الظلم و الخضوع له و الثانی وقوع الظلم و مواجهة الجور، فهناک أناس یقبلون الظلم بسبب ضعفهم النفسی و خور الروح و هناک من یقع علیه الظلم و تسلب حقوقهم،و لکن لا من جهة الضعف النفسی و إنما من جهة مراعاة الصالح العام التی هی أهم من مصالح الفرد أو حقوقه التی تسلب، و لهذا یظلمون و یصبرون: کما قال علی (ع): «صبرت و فی العین قذى، و فی الحلق شجى»[6]. و مظلومیة الأئمة(ع) من النوع الثانی، فتحملوا کل أنواع المصائب من أجل المصلحة البشریة و الأمة الإسلامیة و الإسلام العزیز، و علیه فمعنى مظلومیة الإمام الحسین هو تفسیر و بیان و إیضاح ما وقع علیه و على أصحابه من ظلمٍ و اعتداء، و ذلک ما لا ینافی العزة و الکرامة بالنسبة لهذا الإمام العظیم. بل إن هذا الأمر یجلی و یوضح جوانب العزة و الإباء فی شخصیة الامام و اصحابه أکثر فأکثر ـ لأن بیان حجم الظلم و الاعتداء من قبل الأعداء و إظهار المواقف الصلبة و الإرادة من قبل الإمام فی مواجهة هذا الطغیان و التجبر تظهر عظمة روح العزة و الإباء و رفض الظلم مهما کان شدته و تجبره.

و کذلک توجد علل و أسباب أخرى فی مسألة إظهار وجه المظلومیة التی وصف بها الإمام الحسین(ع)، و من هذه الأسباب:

1ـ المصائب التی واجهته قبل شهادته[7]، المصائب التی واجهته بعد شهادته[8]، هذه القوة الکبیرة و الشدة المتناهیة التی لم تکن لها سابقة فی أیام الجاهلیة[9]. إضافة إلى کل الجنایات و الجرائم التی ارتکبت بحق الإمام فی یوم واحد، حیث واجهها بکل عزة و شرف.

ألیس کل هذا یدل على مظلومیة الإمام؟ ألا یکشف هذا الواقع المریر بذاته عن حجم المظلومیة و عظمها؟

2ـ إیقاظ الأفکار العامة من خلال ذکر فضائل الإمام و بیان ما وقع علیه من ظلم من قبل الأعداء فتتولد ردود أفعال کبیرة على هذا العمل کثورة المختار و غیره. إذن فالحاجة قائمة لبیان مظلومیة الإمام و کشف خفایاه للناس.

3ـ إن البکاء على الحسین(ع) و الحزن فی أیام شهادته أمرٌ أکد علیه الأئمة(ع) بشدة، یقول محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(ع): «یقول علی بن الحسین(ع): أیما مؤمن دمعت عیناه لقتل الحسین (علیه السلام) حتى تسیل على خده بوأه الله تعالى بها فی الجنة غرفاً یسکنها أحقاباً»[10]. و حیث إن البکاء و الحزن لا یکون إلا من خلال بیان فضائل الإمام و إظهار مظلومیته و حجم ما واجهه من ظلم. فمن اللازم إذن عقد المجالس لبیان هذه المظلومیة. و کما قلنا فإن المظلومیة لا تعنی الضعف و الاستسلام، بل إنها مؤشر و دلیل على عزة الإمام و شجاعته[11].

4ـ إن بیان مظلومیة أهل البیت(ع) و خصوصاً الإمام الحسین، و فضح أسالیب الأعداء و تصرفاتهم و بدعهم یمکن أن یکون مصباح هدایة لإنارة الطریق أمام الأجیال القادمة، لتشخص العدو من الصدیق و المحق من المبطل. و من هنا تبرز ضرورة إظهار مصائب أهل البیت و خصوصاً الإمام الحسین(ع).

و تأسیساً على ما تقدم فإن مسألة بیان المظلومیة بالمعنى الثانی[12] مقبول لدى الشرع المقدس. بل لازمٌ و ضروری، و أما بیان مظلومیة الإمام الحسین بالمعنى الأول فی بعض المجالس سواء کانت عمداً أم سهواً فإنها أمرٌ محرم و مبتدع.



[1]مجلسی، محمد باقر، بحارالأنوار، ج 25، ص 7، مؤسسة الوفاء، بیروت، لبنان، 1404 هـ ق.

[2]الأمالی للصدوق، ص 115.

[3]فی الکثیر من الزیارات یوجد دعاء و أحادیث بهذا الاستعمال(و الأدعیة و الأحادیث توجد هذا الاستعمال).

[4] «من قُتل مظلوماً فقد جعلنا لولیه سلطاناً».

[5]سأل أحدهم الإمام الصادق(ع) عن تفسیر الآیة 33 من سورة الإسراء، فأجاب الإمام: هو الحسین بن علی (علیهما السلام) قتل مظلوماً و نحن أولیاؤه، و القائم منا إذا قام طلب بثأر الحسین. بحارالأنوار، ج 44، ص 218؛ العیاشی، محمد بن مسعود، تفسیر العیاشی، ج2، ص 290، المطبعة العلمیة.

[6]نهج البلاغة، خطبة 3، ص 48، منشورات دار الهحرة، قم.

[7]کشهادة الأولاد و الإخوان و الأنصار و تحمله و أهل بیته العطش.

[8] کهتک حرمة مخیم أهل بیته و عدم الاحترام له و لأهل بیته فی الکوفة و الشام.

[9]أشار الإمام الرضا(ع) إلى هذه المصائب بقوله: «إن المحرم شهر کان أهل الجاهلیة یحرمون فیه القتال، فاستحلت فیه دماؤنا، و هتکت فیه حرمتنا، و سبی فیه ذرارینا و نساؤنا»؛ بحار الأنوار، ج 44، ص 283، باب 34، ثواب البکاء على مصیبته، ح 17.

[10] الأنصاری المحلاتی، محمد رضا، ثواب الأعمال، ترجمة، الأنصاری، ص 163، الطبعة الأولی، منشورات نسیم الکوثر، قم 1382 ش.

[11]انظر. نجفی، محمد جواد، حیاة الإمام الحسین(ع)، ص 74، الطبعة الثالثة، المنشورات الإسلامیة، طهران، 1364 ش.

[12]المظلومیة التی لم تضعف هذا الإمام بل إن المصائب التی وردت علیه أجبرته على بیان و ذکر المصائب التی مرت علیه و على أهل بیته.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260663 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    115571 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102778 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100418 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46120 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43408 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41622 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36810 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35028 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33208 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...