بحث متقدم
الزيارة
4595
محدثة عن: 2009/07/09
خلاصة السؤال
ما المراد من طلوع الشمس و غروبها الوارد فی قصة ذی القرنین؟
السؤال
ورد فی القرآن الکریم و بالتحدید فی قصة ذی القرنین انه رأی الشمس تغرب فی عین حمئة "حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فی‏ عَیْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا یا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فیهِمْ حُسْنا" ثم ورد فی نفس القصة "حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرا".
هنا تثار الاسئلة التالیة:
اولا: ان هذا مخالف لمعطیات العلم الحدیث حیث من الثابت ان الشمس لاتغرب فی عین حمئة.
و ثانیا: انه لایوجد مکان فی الارض لایشمله الغروب و الطلوع.
هل ان هذه النظریة منافیة للنظریات الفلکیة التی توصل الیها کوبرنیک و کبلر و غالیلو؟
الجواب الإجمالي

لم یکن القرآن الکریم فی هاتین الآیتین بصدد البحث عن محل طلوع الشمس و غروبها؛ بل محور القضیة کان یدور حول بیان قصة ذی القرنین و رحلته الطویلة، و کأن ذا القرنین وصل فی رحلته الى ساحل بحر فظن انه لا یوجد خلفه ارض یابسة حینئذ تصور أن الشمس تغرب فی البحر لان الافق وفقا لرؤیته البصریة ینطبق مع البحر.

اما بالنسبة الى الشق الثانی من الکلام و هو قوله تعالى "وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً" فقد ذکرالمفسرون عدة توجیهات منها: ان فی اللفظ کنایة عن أنّ حیاة هؤلاء الناس بدائیة جدّا، و لا یملکون سوى القلیل من الملابس التی لا تکفی لتغطیة أبدانهم من الشمس.

و لکن بعض المفسّرین لم یستبعدوا افتقار هؤلاء الناس إلى المساکن التی تحمیهم من الشمس.

و هناک احتمال آخر یطرحه البعض، و یرى أن یکون هؤلاء القوم فی أرض صحراویة تفتقر للجبال و الأشجار و الملاجئ، و أن لیس فی تلک الصحراء ما یمکّن هؤلاء القوم من حمایة أنفسهم من الشمس من غطاء أو غیر ذلک.‏

و لامنافاة بین الوجوه المذکورة.

الجواب التفصيلي

ان الایتین المبارکتین کانتا فی صدد الحدیث عن جانب من قصة ذی القرنین، من هنا کان الحدیث اولا عنه شخصیته ثم تم التعرض للحدیث عن اصل رحلته.

و لقد روی انه قام ابن الکواء إلى علی (ع) و هو على المنبر- فقال: یا أمیر المؤمنین- أخبرنی عن ذی القرنین أ نبیا کان أم ملکا؟ و أخبرنی عن قرنیه أ من ذهب أم من فضة؟ فقال له: لم یکن نبیا و لا ملکا، و لم یکن قرناه من ذهب و لا فضة، و لکن کان عبدا- أحب الله فأحبه الله و نصح الله فنصحه الله، و إنما سمی ذا القرنین لأنه دعا قومه إلى الله عز و جل- فضربوه على قرنه فغاب عنهم حینا- ثم عاد إلیهم فضرب على قرنه الآخر، و فیکم مثله.[1]

و قد ذکرالمفسرون فی تفسیر الآیة المبارکة أن المراد بالعین الحمئة العین ذات الحمأة و هی الطین الأسود و أن المراد بالعین البحر فربما تطلق علیه، و أن المراد بوجدان الشمس تغرب فی عین حمئة موقف على ساحل بحر لا مطمع فی وجود بر وراءه فرأى الشمس کأنها تغرب فی البحر لمکان انطباق الأفق علیه قیل: و ینطبق هذه العین الحمئة على المحیط الغربی و فیه الجزائر الخالدات التی کانت مبدأ الطول سابقا ثم غرقت.

و قرئ «فی عین حامیة» أی حارة، و ینطبق على النقاط القریبة من خط الاستواء من المحیط الغربی المجاورة لإفریقیة و لعل ذا القرنین فی رحلته الغربیة بلغ سواحل إفریقیة.[2]

ففی هاتین الایتین لایوجد ادنى حدیث عن محل غروب الشمس او طلوعها، بل القضیة تتعلق بما تصوره ذو القرنین –شانه شأن سائرالناس- حیث تصور ان الشمس تغرب فی مکان معین و کأنه فی رحلته قد وصل الى ساحل بحر فظن انه لایوجد خلفه شیء و بما ان الافق یترأى للناظر انه ساقط فی البحر من هنا تصور ان الشمس غابت هناک. و هذا ما یتصوره عامة الناس.

و لقد ورد فی الروایات التعبیر بمشارق الارض و مغاربها[3] و هذا یکشف عن ان القضیة لیست فی مقام البحث عن الشروق و الغروب الواقعی بل هی ناظرة الى مشرق و مغرب کل منطقة بحسبها ای بحسب غیابها عن رؤیة سکان تلک المنطقة.[4]

من هنا نعرف ان مراد القرآن من الطلوع و الغروب هو هذا المعنى لانه الفهم العام للناس فی ذلک الوقت حیث کانوا یتصورون ان للشمس مطلعا و مغربا واحدا موافقا لافقهم من هنا جاء التعبیر بالمشارق و المغارب على نحو الجمع. و السبب فی انه لم تذکر فی قصة ذی القرنین المشارق او المغارب على نحو الجمع هو انه قد وصل الى مکان ما مترامی الاطراف و حسب رؤیة ذی القرنین فی هذه المنطقة مشرق و مغرب واحد.[5]

و على کل حال ان القرآن الکریم فی هاتین کان فی مقام ذکر تصور الناس العادیین لمسالة الطلوع و الغروب و لیس فی مقام الاشارة الى قضیة الطلوع و الغروب الواقعیة؛ فعلی سبیل المثال نرى ان المسافرین عن طریق البحر او سکان السواحل البحریة یتصورون ان الشمس تسقط فی البحر و تشرق منها، و یبدو ان ذا القرنین تصور نفس القضیة کما یشیر القرآن الکریم لذلک فرأی أنّها تغرب فی بحر غامق أو عین ذات ماء آجن: وَجَدَها تَغْرُبُ فِی عَیْنٍ حَمِئَة.[6]

و قد تعرض صاحب تفسیر الامثل للدروس الاخلاقیة فی هذه القصة منها: بالرغم من أنّ غروب الشمس فی عین من ماء آسن سببه خطأ فی الباصرة و اشتباه منها، إلّا أنّ المعنى الذی نلمحه من هذا المثال هو إمکان تغطیة الشمس مع عظمتها بالعین الآسنة و مثلها فی ذلک مثل ذلک الإنسان العظیم الذی یسقط و ینهار بسبب خطأ واحد فتغرب شخصیته من انظار الناس‏.[7]

الجدیر بالذکر ان من الموضوعات التی اثبتتها الدراسات المعاصرة و اصبحت من ضمن الامورالمحسوسة هی کرویة الارض، و هذه الحقیقة العلمیة قد تعرض لها القرآن الکریم قبل اربعة عشر قرنا حیث قال عز من قائل " یُکَوِّرُ اللَّیْلَ عَلَى النَّهارِ وَ یُکَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّیْل‏"[8]

یقول احد المفسرین الکبار فی تفسیر الایة المبارکة: فلو وقف الإنسان فی منطقة تقع خارج نطاق الکرة الأرضیة، و نظر إلى مشهد حرکة الأرض حول نفسها و تکوّن اللیل و النهار اللذین یطوقان سطحها المکور، لشاهد- بصورة منتظمة- أن سواد اللیل یستولی على طرف النهار من جهة و من الجهة المقابلة یرى بأن ضوء النهار یستولی محرکة مستمرة على ظلام اللیل.

 «یکوّر» من «تکویر» و تعنی الشی‏ء المتکور أو المنحنی، و یعتبر أصحاب اللغة تکویر العمامة على الرأس نموذجا للتکویر، و هذا التعبیر القرآنی الجمیل

 یکشف عن بعض الأسرار، لکن الکثیر من المفسّرین نتیجة عدم التفاتهم إلى کرویة الأرض ذکروا مواضیع اخرى لا تناسب مفهوم کلمة (التکویر)، فمن هذه الآیة یتجلّى لنا أن الأرض کرویة و تدور حول نفسها، و من جراء هذا الدوران، یطوّق الأرض دائما شریطان، أحدهما سواد اللیل، و الثّانی بیاض النهار، و لا یبقى هذان الشریطان ثابتین، و إنّما یغطی الشریط الأسود الأبیض، من جهة و الشریط الأبیض یغطی الأسود من جهة اخرى، أثناء حرکة الأرض حول نفسها.[9]

اما بالنسبة الى الشق الثانی من الکلام وهو قوله تعالى "وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً" فقد ذکرالمفسرون عدة توجیهات منها: ان فی اللفظ کنایة عن أنّ حیاة هؤلاء الناس بدائیة جدّا، و لا یملکون سوى القلیل من الملابس التی لا تکفی لتغطیة أبدانهم من الشمس.

و لکن بعض المفسّرین لم یستبعدوا افتقار هؤلاء الناس إلى المساکن التی تحمیهم من الشمس.

و هناک احتمال آخر یطرحه البعض، و یرى أن یکون هؤلاء القوم فی أرض صحراویة تفتقر للجبال و الأشجار و الملاجئ، و أن لیس فی تلک الصحراء ما یمکّن هؤلاء القوم من حمایة أنفسهم من الشمس من غطاء أو غیر ذلک.‏[10]



[1] الطباطبائی، سید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج 13 ، ص 374، دفتر انتشارات اسلامی جامعه مدرسین الحوزة العلمیة قم - قم، الطبعةالخامسة، 1417 ق.

[2] المیزان فی تفسیر القرآن، ج‏13، ص 360-361.

[3] الکلینی، الکافی،ج 2 ، ص 62 و 115 و ج 5 ، ص 69 دار الکتب الإسلامیة طهران، 1365 هجرى شمسی.

[4] رضائی اصفهانی ، محمد علی، پژوهشی در اعجاز علمی قرآن"دراسة فی الاعجاز العلمی للقران الکریم"، انتشارات کتاب المبین، الطبعة الثالثة 1381 ش، ص 188 و 189.

[5] نفس المصدر، ص 192.

[6] انظر: ناصر مکارم الشیرازی، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏9، ص: 350.

[7] الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج ‏9، ص 358.

[8] الزمر، 5.

[9] الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج ‏15، ص 19-20.

[10] الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج ‏9، ص 352.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    258463 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    99772 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    98423 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    76695 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    44338 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    37068 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    35621 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    35150 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    32742 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    30739 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...