بحث متقدم
الزيارة
3028
محدثة عن: 2011/11/06
خلاصة السؤال
جاء فی سورة الانفال أن الله تعالى مد المسلمین فی معرکة بدر بألف من الملائکة و فی سورة آل عمران بثلاثة آلاف، کیف نجمع بین الآیتین و کیف یحل التناقض الموجود؟
السؤال
جاء فی سورة الانفال الآیة التاسعة أن الله تعالى مدّ المسلمین فی معرکة بدر بألف من الملائکة و فی سورة آل عمران الآیة 124 بثلاثة آلاف، کیف نجمع بین الآیتین و نحل التناقض الموجود؟
الجواب الإجمالي

قال تعالی فی الآیة التاسعة من سورة الانفال: "إِذْ تَسْتَغیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُرْدِفین"، و فی الآیة 124 من سورة آل عمران: "إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنینَ أَ لَنْ یَکْفِیَکُمْ أَنْ یُمِدَّکُمْ رَبُّکُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُنْزَلین". فالله تعالى یبشر المؤمنین بانه سینزل علیهم الفا من الملائکة مردفین و فی أیة آل عمران وعدهم بانزال ثلاثة ألاف من الملائکة عند الضرورة، فلا تناقض بینهما. علما أن القرآن الکریم یصرح بان النصر فی یوم بدر لم یکن على ید الملائکة فقط بل کان النصر نتیجة الدعم الالهی و التقوى التی هی شرط فی تحقق الدعم الالهی.

الجواب التفصيلي

بدر منطقة تقع بین مکة و المدینة و التی وقعت فیها أول معرکة بین المسلمین بقیادة الرسول الاکرم (ص) و بین المشرکین، و من هنا اطلق على المعرکة اسم بدر.[1]

مفهوم النقیض و المتناقض:

ذهب المشهور الی کون نقیض الشیء رفعه؛ کالانسان و لا انسان[2] و اشترطوا فیه تحقق التناقض وحدات ثمانیة.[3] و من هنا لا ینطبق تعریف التناقض علی الآیتین المبارکتین فلا تناقض بین مضمومنیهما.

توضیح الآیات المبارکة:

قال تعالی فی الآیة التاسعة من سورة الانفال: "إِذْ تَسْتَغیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُرْدِفین"، و فی الآیة 124 من سورة آل عمران: "إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنینَ أَ لَنْ یَکْفِیَکُمْ أَنْ یُمِدَّکُمْ رَبُّکُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُنْزَلین".

جاء فی تفسیر الامثل، إنّ هذه الآیات تتحدث عن اللحظات الحساسة من واقعة بدر، و الألطاف الإلهیة الکثیرة التی شملت المسلمین لتثیر فی نفوسهم الإحساس بالطاعة و الشکر، و لتعبید الدرب نحو انتصارات المستقبل.

و تشیر ابتداء لإمداد الملائکة فتقول: "إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ".

جاء فی بعض الرّوایات أنّ النّبی (ص) کان یستغیث و یدعو ربّه مع بقیة المسلمین، و قد رفع یدیه نحو السماء قائلا:

"اللّهم أنجز لی ما وعدتنی، اللّهم إنّ تهلک هذه العصابة لا تعبد فی الأرض"[4].و عند ذلک" فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُرْدِفِینَ[5].

و کلمة (مردفین) من (الإرداف) بمعنى اتّخاذ محل خلف الشی‏ء فیکون مفهومها أنّ الملائکة کانت تتابع بعضها بعضا فی النّزول لنصرة المسلمین.

و احتمل معنى آخر فی الآیة، و هو أنّ مجموعة الألف من الملائکة کانت تتبعها مجموعات أخرى، لیتطابق هذا المعنى و الآیة (124) من سورة آل عمران، و التی تقول عن لسان النّبی (ص): "إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِینَ أَ لَنْ یَکْفِیَکُمْ أَنْ یُمِدَّکُمْ رَبُّکُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُنْزَلِینَ"[6].

إلّا أنّ الظاهر أنّ عدد الملائکة فی بدر هو الألف، و کلمة مردفین صفة هذا الألف. و آیة سورة آل عمران کانت وعدا للمسلمین فی أنزال ملائکة أکثر لنصرة المسلمین إذا ما اقتضى الأمر.[7] إذن الآیة الثانیة لا تشیر الى النزول الفعلی للملائکة و إنما کانت وعداً إلهیاً "أَ لَنْ یَکْفِیَکُمْ أَنْ یُمِدَّکُمْ رَبُّکُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُنْزَلین".

من هنا نعرف أنه لم یرد فی أی من الآیتین عدد الملائکة المنزلین فی معرکة بدر على نحو القطع و الیقین، ومعه لا تناقض بینهما قطعا.

وقد نظر العلامة الطباطبائی (ره) الى القضیة من زاویة أخرى و بینها بالطریقة التالیة: و أما نزول ثلاثة آلاف یوم بدر فلا ینافی قوله تعالى فی سورة الأنفال: "فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُرْدِفِینَ" لمکان قوله: "مُرْدِفِینَ" أی متبعین لآخرین و هم الألفان الباقیان المکملان للعدد على ما ذکر فی هذه الآیات.[8]

یقول الطاهر بن عاشور فی تفسیره التحریر و التنویر: و الإرداف الإتباع و الإلحاق فیکون الوعد بألف و بغیرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجیش عند الحاجة تکون لهم مددا، و ذلک أن اللّه أمدهم بآلاف من الملائکة بلغوا خمسة آلاف کما تقدم فی سورة آل عمران، و یجوز أن یکون المراد بألف هنا مطلق الکثرة فیفسره قوله: "بِثَلاثَةِ آلافٍ" فی سورة آل عمران [124]، و هم مردفون بألفین، فتلک خمسة آلاف، و کانت عادتهم فی الحرب إذا کان الجیش عظیما أن یبعثوا طائفة منه ثم یعقبوها بأخرى لأن ذلک أرهب للعدو، "وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى‏ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُکُمْ وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِیزٌ حَکِیمٌ"[9] عطف على "أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَةِ مُرْدِفِینَ" فالضمیر المنصوب فی قوله: "جَعَلَهُ" عائد إلى القول الذی تضمنه "فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ" أی ما جعل جوابکم بهذا الکلام إلّا لیبشرکم، و إلّا فقد کان یکفیکم أن یضمن لکم النصر دون أن یبین أنه بإمداد من الملائکة. و فائدة التبشیر بإمداد الملائکة أن یوم بدر کان فی أول یوم لقی فیه المسلمون عدوا قویا و جیشا عدیدا، فبشرهم اللّه بکیفیة النصر الذی ضمنه لهم بأنه بجیش من الملائکة، لأن النفوس أمیل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعانی یدق إدراکه و سکون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصویر مدد الملائکة و رؤیة أشکال بعضهم.[10]

و من هنا یتضح اننا لو اخذنا بأی تفسیر من تلک التفاسیر المذکورة لانجد تعارضا بین الآیات المبارکة خاصة اذا قلنا إن احدى الآیتین کانت مجرد بشارة أخبر بها النبی الاکرم (ص) تتحقق عند الضرورة.



[1] مکارم الشیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏2، ص: 678، نشر مدرسة الامام علی بن أبی طالب (ع)، الطبعة الاولی، 1421هـ.

[2] الغروی، محمد حسین، نهایة الدرایة، ج 1، ص 406.

[3] وهی: الموضوع، المحمول، المکان، الزمان، القوة، الفعل، الاضافه و الجزء و الکل.

[4] مجمع البیان، ذیل الآیة.

[5] الانفال، 9.

[6] آل عمران، 124.

[7] الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏5، ص: 376.

[8]العلامة الطباطبائی، محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج‏4، ص:8، مکتب النشر التابع لجماعة المدرسین، قم، الطبعة الخامسة، 1417هـ

[9]الانفال، 10.

[10]الطاهر بن عاشور، التحریر و التنویر، ج‏9، ص: 34،

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة