بحث متقدم
الزيارة
2921
محدثة عن: 2012/01/12
خلاصة السؤال
کیف تکون الغفلة عن ذکر الله بمعنى مصاحبة الشیطان و مقارنته؟
السؤال
قال تعالى فی فی الآیة 36 من سورة الزخرف: " وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرین" کیف تکون الغفلة عن ذکر الله بمعنى مصاحبة الشیطان و کیف ینسجم ذلک مع الرحمة الالهیة؟
الجواب الإجمالي

لیس المراد من الآیة الکریمة أن الله تعالى و بمجرد غفلة الانسان عن ذکر الله تعالى غفلة بسیطة لانشغاله بالاعمال الخاصة او ما شابه ذلک، او لمجرد أن تزل قدم الانسان زلة واحدة، یقرن به شیطان الى یوم القیامة، بل الآیة بصدد بیان معنى اعمق من ذلک کما یقول أمیر المؤمنین (ع): " من صدئ بالإثم عشا عن ذکر الله عز و جل من ترک الأخذ عن أمر الله بطاعته قیض الله له شیطانا فهو له قرین‏".

فالآیة المبارکة - انطلاقا من تفسیر أمیر المؤمنین (ع) - لیست بصدد الحکم على من تمادى فی غیّه و اختار الانحراف و العناد و التمرّد على الحق تعالى منهجا و طریقا له، مما یؤدی الى الرین على قلبه و تنسد جمیع منافذ الهدایة لدیه، فیکون الشیطان قرینا له یلازمه دائما. وان الغفلة عن ذکر اللَّه، و الغرق فی لذات الدنیا، و الانبهار بزخارفها و مغریاتها یؤدی إلى تسلط شیطان على الإنسان یکون قرینة دائما، و یلقی لجاما حول رقبته یشدّه به، و یجرّه إلیه لیذهب به حیث یشاء!

الجواب التفصيلي

لا ینبغی التوهم بان المراد من الآیة الکریمة أن الله تعالى و بمجرد غفلة الانسان عن ذکر الله تعالى غفلة بسیطة لانشغاله بالاعمال الخاصة او ما شابه ذلک، او لمجرد أن تزل قدم الانسان زلة واحدة، یقرن به شیطان الى یوم القیامة، و یکون مصداقا لقوله تعالى " وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرین‏"[i] !!

لاریب أن الرحمة الالهیة لا تقتضی ذلک أبداً، و من هنا نرى المفسرین ذهبوا الى تفسیر الآیة تفسیراً ینسجم مع العدل الالهی و الحکمة الربانیة.

قال تعالى فی کتابه الکریم " وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرین‏"[ii] و المراد من "الذکر" هنا "القرآن الکریم"[iii] و بهذا تکون الآیة منصبة على من ینحرف عن ذکر الله و یتطاول على الدساتیر و الاحکام الالهیة و یتمرد علیها و یعرض عن الالتزام بها، حینئذ تکون النتیجة الطبیعیة لعمله الاقتران مع الشیطان و مصاحبته، یقول أمیر المؤمنین (ع): " من صدئ بالإثم عشا عن ذکر الله عز و جل من ترک الأخذ عن أمر الله بطاعته قیض الله له شیطانا فهو له قرین‏".[iv]

و من البدیهی - انطلاقا من تفسیر أمیر المؤمنین (ع) للآیة المبارکة- أن الآیة المبارکة لیست بصدد الحکم على من زلت به قدمه مرّة واحدة او اقترف خطیئة لسبب ما؛ و ذلک لمضادة هذا المعنى مع الرحمة الالهیة، بل المراد منها من تمادى فی غیّه و اختار الانحراف و العناد و التمرّد على الحق تعالى منهجا و طریقا له، مما یؤدی الى الرین على قلبه و تنسد جمیع منافذ الهدایة لدیه، فیکون الشیطان قرینا له یلازمه فی جمیع حرکاته و سکناته.

یقول صاحب تفسیر الامثل فی ذیل تفسیره للآیة المبارکة: لما کان الکلام فی الآیات السابقة عن عبدة الدنیا الذین یقیّمون کل شی‏ء على أساس المعاییر المادیة، فإنّ الآیات- مورد البحث- تتحدث عن أحد الآثار الممیتة الناشئة عن الارتباط بالدنیا و التعلق بها، ألا و هو الابتعاد عن اللَّه سبحانه.

تقول الآیة الأولى: (وَ مَنْ یَعْشُ[v] عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ[vi] لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِین‏".

نعم، إنّ الغفلة عن ذکر اللَّه، و الغرق فی لذات الدنیا، و الانبهار بزخارفها و مغریاتها یؤدی إلى تسلط شیطان على الإنسان یکون قرینة دائما، و یلقی لجاما حول رقبته یشدّه به، و یجرّه إلیه لیذهب به حیث یشاء! من البدیهی أنّه لا مجال لأن یتصور أحد معنى الجبر فی هذه الآیة لأنّ هذه نتیجة الأعمال التی قام بها هؤلاء أنفسهم، و قد قلنا مرارا: إنّ أولى نتائج أعمال الإنسان- و خاصة الانغماس فی ملاذ الدنیا، و التلوث بأنواع المعاصی- هو تکوّن حجاب على القلب و السمع و البصر یبعده عن اللَّه سبحانه، و یسلط الشیاطین علیه، و قد یستمرّ هذا الحال بالنسبة إلیه حتى یغلق بوجهه باب الرجوع، لأنّ الشیاطین و الأفکار الشیطانیة تکون حینئذ قد أحاطت به من کل جانب، و هذه نتیجة عمل الإنسان نفسه، و إن کانت نسبتها إلى اللَّه سبحانه بلحاظ کونه سبب الأسباب صحیحة أیضا، و هذا هو نفس الشی‏ء الذی عبّر عنه فی آیات القرآن الأخرى بعنوان تزیین الشیاطین (فَزَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ أَعْمالَهُمْ) [vii]، أو بعنوان ولایة الشیطان (فَهُوَ وَلِیُّهُمُ الْیَوْمَ). [viii]

و ممّا یستحق الانتباه أن جملة( نُقَیِّضْ) و بالالتفات إلى معناها اللغوی، تدل على استیلاء الشیاطین، کما تدل على کونهم أقرانا، و فی الوقت نفسه فقد جاءت جملة: (فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ) بعدها لتؤکّد هذا المعنى، و هو أنّ الشیاطین لا یفارقون مثل هؤلاء الأفراد، و لا یبتعدون عنهم مطلقا!

و التعبیر بـ «الرحمن» إشارة لطیفة إلى أنّه کیف یعرض هؤلاء عن اللَّه الذی عمّت رحمته العامّة الجمیع و شملتهم، و یغفلون عن ذکره؟ فهل یستحق أمثال هؤلاء غیر هذا المصیر و یکونون أقرانا للشیاطین، یتبعون أوامرهم، و ینفذون ما یملون علیهم؟

و احتمل بعض المفسّرین أن یکون للشیاطین هنا معنى واسع بحیث یشمل حتى شیاطین الإنس، و اعتبروا الکلمة إشارة إلى رؤوس الضلالة و زعمائها الذین یتسلطون على الغافلین عن ذکر اللَّه سبحانه فیکونون أقرانا لهم، و هذا التوسع فی المعنى لیس ببعید.[ix]

 



[i] زخرف، 36.

[ii] زخرف، 36.

[iii] الطبرسی، فضل بن الحسن، مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج 9، ص 74، انتشارات ناصر خسرو، طهران،1372 ش.

[iv] الصدوق، محمد بن علی، الخصال، ج 2، ص 634، انتشارات جماعه المدرسین، قم، 1403 ق.

[v] « یعش» من مادة العشو، فإن عدیت ب( إلى):( عشوت إلیه) فهی تعنی الهدایة بواسطة شی‏ء ما بعین ضعیفة، و إن عدیت ب( عن):( عشا عنه)، و أعطت معنى الإعراض عن الشی‏ء، و هو المراد فی الآیة المذکورة. لسان العرب( عشو).

[vi] « نقیّض» من مادة قیض، و هی فی الأصل بمعنى الغشاء الذی یغطی البیضة، ثمّ جاءت بمعنى جعل شی‏ء مستولیا على شی‏ء آخر.

[vii] النحل، الآیة 63.

[viii] النحل، الآیة 63.

[ix] مکارم الشیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏16، ص: 54-56 ،نشر مدرسة الامام علی بن أبی طالب (ع)، قم، الطبعة الاولى، 1421هـ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    255147 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    96425 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    91787 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    44364 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    42288 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    33530 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    31951 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    30114 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    28916 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    28147 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...

الروابط