الزيارة
3474
محدثة عن: 2012/01/19
خلاصة السؤال
لماذا یهتم القرآن الکریم بقضایا جزئیة من قبیل الخصام بین زوجات النبی (ص)، و الحال أن القرآن الکریم نازل للجمیع و هو رسالة عالمیة! أ لیس الخوض فی مثل هذه الجزئیات منافیا للشمولیة؟
السؤال
لماذا یهتم القرآن الکریم بقضایا جزئیة من قبیل الخصام بین زوجات النبی (ص)، و الحال أن القرآن الکریم نازل للجمیع و هو رسالة عالمیة! أ لیس الخوض فی مثل هذه الجزئیات منافیا للشمولیة؟ و هل من المحتمل نزول آیات أخرى تعالج حوادث جدیدة على فرض وقوعها فی عصر الرسول (ص)؟
الجواب الإجمالي

من الامور المسلمة بین اوساط المسلمین بکافة اطیافهم و مذاهبهم هو شمولیة القرآن و خلوده و انه نازل لکافة البشر؛ من هنا لم تختص دساتیره و أوامره بزمن خاص، و الجدیر بالالتفات الیه أن نقل المفاهیم عادة ما یتم من خلال المصادیق و التطبیقات و لا یکتفی المتکلم بالقاء المفهوم مجردا عن المصادیق الخارجیة، و ذلک لما یتوفر علیه هذا الاسلوب فی نقل للمعانی بصورة میسرة و سریعة. و قد سار القرآن الکریم على نفس الاسلوب و اعتمد الطریقة المتعارفة فی اوساط المتکلمین؛ بمعنى ان الوقائع و الحوادث التی وقعت من قبیل ما حدث بین ازواج النبی (ص) من الممکن ان یقع مشابه له فی اوساط العوائل الاخرى.

و لو طالعنا آیات الذکر الحکیم لوجدنا الآیات التی تتحدث عن الشأن الخاص للنبی الاکرم (ص) لا تمثل نسبة یعتد بها، مع کونه (ص) عاش ثلاثة و عشرین سنه بعد الوحی و لا ریب ان الحوادث التی وقعت فی تلک الفترة کثیرة جدا حتى ان الکتب التاریخیة و الموسوعات الحدیثیة لم تستطع استقصاءها، فما یثار هذه الأیام من کون القرآن سخر للنبی الاکرم (ص) و متابعة شأنه الخاص، ما هی الا فریة لا تقوم على الدلیل بل الواقع یدحضها و ینفیها.

الجواب التفصيلي

قبل الاجابة عن السؤال نرى من الضروری الاشارة الى اسباب النزول؛ و ذلک لان معرفة اسباب النزول تساعدنا على الواقع التاریخی لنزول الآیة، و من ثم استنتاج رسالة کلیة لجمیع الاعصار و الدهور.

و من المناسب ایضا الاشارة الى أن الاطلاع الکافی على اسباب النزول یمکن أن یتم من خلال الرجوع الکتب التی صنفت فی هذا المجال خصیصیا بالاضافة الى الکتب التفسیریة التی تعرضت للاشارة الیه ضمن تفسیرها للآیات المبارکة، من قبیل اسباب النزول للواحدی و غیرها من الکتب. [1] کذلک یمکن الرجوع الى السؤال 4419 (الموقع: 4711) تحت عنوان: دور شأن النزول فی تفسیر القرآن الکریم.

بعد هذه المقدمة نشرع فی بیان بعض النکات المهمة حول السؤال المطروح:

1. خلود القرآن

من الامور المسلمة بین اوساط المسلمین بکافة اطیافهم و مذاهبهم هو شمولیة القرآن و خلوده و انه نازل لکافة البشر؛ من هنا لم تختص دساتیره و أوامره بزمن خاص، [2] و الجدیر بالالتفات الیه أن نقل المفاهیم عادة ما یتم من خلال المصادیق و التطبیقات و لا یکتفی المتکلم بالقاء المفهوم مجردا عن المصادیق الخارجیة، و ذلک لما یتوفر علیه هذا الاسلوب فی نقل للمعانی بصورة میسرة و سریعة.

وقد سار القرآن الکریم على نفس الاسلوب و اعتمد الطریقة المتعارفة فی اوساط المتکلمین؛ بمعنى ان الوقائع و الحوادث التی وقعت من قبیل ما حدث بین ازواج النبی (ص) من الممکن ان یقع مشابه له فی اوساط العوائل الاخرى عربیة کانت ام غیر عربیة. فمن المتعارف ان الانسان عندما یرید ان یتحدث عن قضیة کلیة و یرسم قانونا او یشیر الى معالجة عامة یعلم ان المجتمع سوف یبتلی بها، یحاول تقریب تلک الفکرة من خلال المثال او المصداق الخارجی فان لم یکن هناک مصداق خارجی لها یحاول ان یقرب الفکرة بشیء قریب و محسوس من قبل المخاطبین، و لا یوجد عاقل یناقش فی الامثلة المطروحة، حتى اشتهر بین العلماء بانه لا مناقشة فی المثال.

و بعض نماذج اسباب النزول فی القرآن الکریم هی من هذا القبیل.

ورد فی الذکر الحکیم حول خلق الحیوانات قوله تعالى: "   وَ الْخَیْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمیرَ لِتَرْکَبُوها وَ زینَةً" [3] ثم ختم الآیة المبارکة بقوله: " وَ یَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُون " حیث طبق البعض هذه الآیة على المخترعات الحدیثة، و لسنا بصدد الرد او اثبات هذا المدعى، و انما المهم عندنا هنا هو الاستفادة من المصداق لدرک المفهوم بصورة افضل.

2. نساء النبی فی القرآن

تعرض القرآن الکریم فی مواضع متعددة لنساء النبی (ص)، کان المقصود فی بعضها الاشارة الى بعض الاحکام العامة و الشاملة مع کون المخاطب خصوص نساء النبی الاکرم (ص).

الف: حادثة الافک: حیث اتهمت احدى ازواج النبی (ص) بما یخالف العفة، و من هنا نزلت الآیة 11 من سورة النور لتثبت براءتها مما الصق بها، یمکنکم الرجوع فی هذا المجال الى سؤال 8284 (الموقع: 8841) .

ففی الآیة المبارکة بالاضافة الى اثبات براءة و نقاء ذیل زوج النبی (ص) اشارة الى قضیة مهمة و هی بیان موقف الانسان المؤمن و مسؤولیته أمام القضایا التی تتعلق بعرض الآخرین و ناموسهم و حیثیتهم الاجتماعیة، و علیهم ان یقفوا موقف الرافض لشیوع مثل تلک التهم و الافتراءات و التصدی لها و الحفاظ على سلامة المجتمع من الشائعات و التهم الباطلة.

ب: قضیة زواج زید بن حارثة و تطلیقه لزوجته و من ثم زواج النبی (ص) منها، و هذا ما اشارت الیه الآیة 37 من سورة الاحزاب " فَلَمَّا قَضى‏ زَیْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناکَها لِکَیْ لا یَکُونَ عَلَى الْمُؤْمِنینَ حَرَجٌ فی‏ أَزْواجِ أَدْعِیائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ کانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً".

و فی هذه الآیة ایضا کسابقته معالجة لقضیة اجتماعیة مترسخة فی المجتمع  تمنع الزواج من زوجة الربیب و ان لم یکن و لدا صلبیا، انظر :   سؤال 5182 (الموقع: 5613) ، شأن نزول الآیه 37 من سوره الاحزاب.

ج: ت وبیخ بعض نساء النبی الاکرم (ص):

المراجع لآیات الذکر الحکیم یرى أن سورة التحریم تشرع بقوله تعالى: "یا أَیُّهَا النَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَکَ تَبْتَغی‏ مَرْضاتَ أَزْواجِکَ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحیمٌ" ثم عرجت لتوبیخ بعض نسائه (ص) لافشائها السر، و ممّا لا شکّ فیه أنّ رجلا عظیما کالرّسول (ص) لا یمکن أن یهمّه أمره وحده دون غیره، بل أمره یهمّ المجتمع الإسلامی و البشریة جمعاء، و لهذا یکون التعامل مع أیّة دسیسة حتّى لو کانت بسیطة تعاملا حازما و قاطعا لا یسمح بتکرّرها، لکی لا تتعرّض حیثیة الرّسول و اعتباره إلى أی نوع من التصدّع و الخدش و الآیات محلّ البحث تعتبر تحذیرا من ارتکاب مثل هذه الأعمال حفاظا على اعتبار الرّسول (ص). [4] و الرسالة الاخرى التی تحملها تلک السورة أیضا هی: ان الانتساب الى الرجل العظیم و الشخصیة الالهیة لایعد مبررا لاقتراف الذنوب، و بحسب المصطلح المعاصر القرب منه لا یمنح صاحب حصانة دبلوماسیة، بل یبقى شأنه شان سائر الناس، بل الاکثر من ذلک ان الانتساب یضاعف المسؤولیة "یا نِساءَ النَّبِیِّ مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَیِّنَةٍ یُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَیْنِ وَ کانَ ذلِکَ عَلَى اللَّهِ یَسیراً". [5]

هذا و لو طالعنا آیات الذکر الحکیم لوجدنا الآیات التی تتحدث عن الشأن الخاص للنبی الاکرم (ص) لا تمثل نسبة یعتد بها، مع کونه (ص) عاش ثلاثة و عشرین سنه بعد الوحی و لا ریب ان الحوادث التی وقعت فی تلک الفترة کثیرة جدا حتى ان الکتب التاریخیة و الموسوعات الحدیثیة لم تستطع استقصاءها، فما یثار هذه الأیام من کون القرآن سخر للنبی الاکرم (ص) و متابعة شأنه الخاص، ما هی الا فریة لا تقوم على الدلیل بل الواقع یدحضها و ینفیها.

اما الشق الاخیر من السؤال و هو: هل یمکن تصور نزول آیات اخرى لو بقی النبی (ص) على قید الحیاة، و استجدت امور فی حیاته؟

فجوابه هذا مستحیل و ذلک لاننا نعتقد ان القرآن جاء برسالة متکاملة و لایوجد فیها نقص أبداً، و انها خاتمة الرسالات، و لا یمکن ان نتصور احتمال وجود آیات اخرى لم تنزل بعد، بل قد تمت الرسالة و ختمت فی الایام الاخیرة من حیاته (ص). وهذا بحث مفصل تجدوه فی الکتب التفسیریة و الکلامیة.



[1] انظر: الحریری، محمد یوسف، فرهنگ اصطلاحات قرآن= معجم اصطلاحات القرآن، ص 36 و 37، هجرت، قم، 1384 ش. و انظر: الطالقانی، عبد الوهاب، علوم قرآن و فهرست منابع = علوم القرآن و ببلوغرافیا المصادر، ص 412 و ما بعدها، دار القرآن الکریم، قم، 1361ش.

[2] لمزید الاطلاع انظر: « جاجة البشر الی الدین فی جمیع العصور»، سؤال 15682 (الموقع: 15413) .

[3] النحل، 8.

[4] مکارم الشیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏18، ص: 441، نشر مدرسة الامام علی بن ابی طالب (ع)، قم، الطبعة الاولى، 1421هـ.

[5] الاحزاب، 30.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    258228 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    99438 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    98183 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    73379 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    44131 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    36766 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    35060 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    35019 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    32454 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    30513 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...