بحث متقدم
الزيارة
9462
محدثة عن: 2006/08/17
خلاصة السؤال
ما الکرامة و ما هی سبلها؟
السؤال
ماذا تعنی الکرامة؟ و کیف نخطوا فی طریقها؟و ما هی منزلة الانسان الکریم عند الله تعالى؟
الجواب الإجمالي

الکرامة؛ تعنی الابتعاد عن المحقرات و التنزه عن کل انواع الخسة و الخنوع، و ا ما الکریم فهی صفة تطلق على الروح الشریفة و العزیزة التی تنزهت عن کل حقارة و خنوع و خسّة.

و تأتی الکرامة فی مقابل الدناءة و الذلة و الوهن و الازدراء، و من أجل الوصول الى قمة الکرامة لا بدّ من التحصن و التدرع بسلاح التقوى و الورع.

و التقوى هی الصفة التی تصون الانسان و تبعده عن کل ما یوقعه فی الذنوب و المعاصی.

یقول أمیر المؤمنین (ع):" و اعلموا أنّه مَن یتقِّ اللهَ یجعل له مخرجاً من الفتن، و نوراً من الظلم، و یخلده فیما اشتهت نفسه، و یُنزله منزلَ الکرامة عنده، فی دار اصطنَعَها لنفسه، ظِلّها عرشه، و نورها بهجته، و زوارها ملائکته، و رفقاؤ‌ها رسله"[i].



[i] نهج البلاغة، الخطبة 183.

الجواب التفصيلي

الکرامة تعنی الابتعاد و التنزه عن المحقرات و الخنوع، و الکریم هو الشخص الذی تسامى على کل خسة و دناءة و حقارة.[1]

و اما اللئیم فهو اصطلاح یأتی ضد الکریم[2]، و اللؤم و الدناءة یاتیان بمعنى واحد، و لذلک جاءت الدناءة فی مقابل الکرامة و اللئیم فی مقابل الکریم.[3]

و حینما نلقی نظرة على الروایات الصادرة عن المعصومین(ع) نجدها قد رکزت على هذه المفاهیم بصورة واضحة.

یقول الرسول الاکرم (ص): « ان الله کریم یحب الکرم ». [4]

و عن امیر المؤمنین (ع) انّه قال: « الکریم من سبق نواله سؤاله ».[5]

و عنه (ع) « الکرام اصبر نفساً ». [6]

و قال (ع): « الکریم من تجنّب المحارم و تنزه عن العیوب ». [7]

وعنه (ع):« الکریم یزدجر عما یفتخر به اللئیم ».[8]

و عنه (ع): « الکریم من صان عرضه بماله، و اللئیم من صان ماله بعرضه ». [9]

و عنه (ع) أیضاً: « من کرمت نفسه صغرت الدنیا فی عینه ».[10]

طریق نیل الکرامة

تبیّن بوضوح التقابل بین الکرامة و اللآمة فی احادیث المعصومین (ع)، فالکرامة شرف و سمو و ترفع عن المحقّرات و الخنوع، لانّها فی الواقع من الصفات القیمة و من اسماء الله الحسنى، فی مقابل ذلک کلما ابتعد الانسان عن الشرف و العزة و الرفعة و ابتعد کذلک عن القرب الالهی کلما مدّ جذوره فی اعماق الخسّة و الدناءة و الخنوع و الرذائل. و قد عبّر الرسول الاکرم (ص) عن هذه الحقیقة بقوله: « حبّ الدنیا رأس کل خطیئة ».[11] و من هنا نرى أمیر المؤمنین (ع) یقول: « انّما سمیت الدنیا دنیا لانّها ادنى من کل شیء».[12]

و مع الاخذ بعین الاعتبار التقابل الذی ذکرناه سابقاً عن الدناءة و الکرامة و الدنیء و الکریم، و بما ان الدنی و الدناءة و الدنیا کلها ترجع الى اصل واحد، من هنا لا یمکن بحال من الاحوال البحث عن الکرامة و الشرف و الرفعة فی حب الدنیا و توسمها فیها، و قد اشار سید الوصیین(ع) الى ذلک بقوله: « الدنیا تذل ». [13]

فی مقابل ذلک نجد الکرامة تقع فی الجهة المقابلة للدناءة و الخنوع، فمن هنا اذا اراد الانسان نیل هذه الصفة الحمیدة و الارتقاء الى تلک القمة الشامخة لا بدّ له ان یتسلح و یتدرع بسلاح الورع عن المحارم و حب الدنیا و اتباع الشهوات و الملذات، و بکلمة مختصرة التجهّز بجهاز التقوى. یقول سید الوصیین (ع): « لاکرم کالتقوى ». [14]

قال تعالى فی کتابه الکریم: "یا ایها الناس انا خلقناکم من ذکر و انثی و جعلناکم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان اکرمکم عند الله اتقاکم". [15]

و یقول امیرالمؤمنین (ع): « التقوى مفتاح الکرامة ». [16]

معرفة التقوى

قال امیرالمؤمنین (ع) و اصفاً الدور الذی تلعبه التقوى فی حیاة الانسان: " الجأوا الى التقوى، فانّه جنّة منیعة، من لجأ الیها حصنته، و من اعتصم بها عصمته ». [17]

و قال فی الخطبة 198 من نهج البلاغة:

« أما بَعْدُ، فأنی أوصیکم بتقوى الله الذی ابتدأ خلقکم، و الیه یکون معادکم، و به نجاح طلبتکم، و الیه منتهى رغبتکم، و نحوه قصد سبیلکم، و الیه مرامی مفزعکم، فان تقوى الله دواءُ داء قلوبکم، و بصر عمى أفئدتکم، و شفاءُ مرض أجسادکم، و صلاحُ فساد صدورکم، و طهور دنس أنفسکم، و جلاء عشا ابصارکم، و أمنُ فزع جأشکم، و ضیاء سواد ظلمتکم فاجعلوا طاعة الله شعارا دون دثارکم، و دخیلاً دون شعارکم، و لطیفأ بین أضلاعِکم، و أمیرا فوق أمورکم و منهلا لحین ورودکم و شفیعاً لدرک طلبتکم، و جنة لیوم فزعکم، و مصابیح لبطون قبورکم، و سکنا لطول وحشتکم، و نفساً لکرب مواطنکم، فأن طاعة الله حرز من متالف مکتنفة، و مخاوف متوقعة، و أوار نیران موقدة. فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها، و احلولت له الامور بعد مرارتها، و انفرجت عنه الامواج بعد تراکمها، و أسهلت له الصعاب بعد انصابها، و هطلت علیه الکرامة بعد قحوطها، و تحدبت علیه الرحمة بعد نفورها، و تفجرت علیه النعم بعد نضوبها، و وبلت علیه البرکة بعد ارذاذها". [18]

الکرامة و الروح الالهیة

أولى القرآن الکریم الانسان أهمیة خاصة و اعتبر الجوهرة الانسانیة موجوداً شریفاً و کریماً، فاذا ما کرم الانسان فانه یسلک حینها طریقه الطبیعی و یعید تفعیل و تصنیع جوهره الاصلی، و بما ان الصعود و الرقی و الطاعة تتناسب مع الجوهر الاصلی للانسان، من هنا یکون السقوط و العصیان أموراً عارضة و مفروضة و طارئة علیه، على العکس من الکرامة فانها لیست کذلک لانّ جوهر الانسان کریم، قال تعالى فی کتابه الکریم:" و لقد کرّمنا بنی آدم "[19]. باعتبار انه تعالى قد أخذ فی خلق الانسان عنصراً کریماً بالاضافة الى العنصر المادی، فاذا کان الانسان کسائر الموجودات قد خلق من التراب فقط حینها لا تکون الکرامة بالنسبة الیه أمراً ذاتیاً او صفة اولیة.

و لکن الانسان یتوفر على فرع و اصل، الفرع منه یعود الى العناصر الترابیة، و اما الاصل فیعود الى الله سبحانه و تعالى. و لقد اشار القرآن الکریم الى هذه الحقیقة حیث قال عزّ من قائل ناسباً الروح الانسانیة الیه سبحانه." اذ قال ربّک للملائکة انی خالق بشراً من طین فاذا سویته و نفخت فیه من روحی فقعوا له ساجدین".[20]

و لم یقل سبحانه انی خلقت الانسان من التراب و الروح المجردة . بل قال سبحانه" خلقته من طین ثم نفخت فیه من روحی"، و بما ان الروح الانسانیة منسوبة الى المعلم الاکرم و هو الله سبحانه و تعالى، من هنا اکتسبت نصیباً من الکرامة، و الروح الالهیة تعنی روح الکرامة ». [21]

جزاء الانسان الکریم

اشار أمیرالمؤمنین (ع) الى الجزاء الذی ینتظر الانسان الکریم قائلاً: " و أوصاکم بالتقوى، و جعلها منتهى رضاهُ، و حاجتهُ من خلقه. فاتقوا الله الذی أنتم بعینه، و نواصیکم بیده و تقلبکم فی قبضته، ان أسررتم علمه، و ان أعلنتم کتبه، قد وکلّ بذلک حفظة کراماً، لا یسقطون حقا، و لا یثبتون باطلا و اعلموا "أنه من یتق الله یجعل له مخرجاً " من الفتن و نوراً من الظّلم، و یخلده فیما اشتهت نفسه، و ینزله منزل الکرامة عنده، فی دار اصطنعها لنفسه، ظلّها عرشهُ، و نورها بهجتُهُ، و زوارها ملائکته، و رفقاؤها رُسُلُهُ ». [22]



[1] جوادی آملی، عبدالله، الکرامة فی القرآن، ص 22.

[2] الثعالبی النیشابوری، فقه اللغة، ص 139.

[3] جوادی آملی، عبدالله، الکرامة فی القرآن، ص 22.

[4] الحسینی، سید حمید ،منتخب میزان الحکمة الروایة رقم 5493.

[5] الآمدی، عبدالواحد، غرر الحکم و درر الحکم، طبع الجامعة، ج 1، ص 395، الحدیث رقم 1389.

[6] المصدر نفسه، ج 2، ص 1، رقم الحدیث 1555.

[7] المصدر نفسه، ج 2، ص 4، رقم الحدیث 1565.

[8] المصدر نفسه، ج 2، ص 44، رقم الحدیث 177.

[9] المصدر نفسه، ج 2، ص 154، رقم الحدیث، 2159.

[10] المصدر نفسه، ج 5، ص 451، رقم الحدیث، 9130.

[11] الحسینی، سید حمید، منتخب میزان الحکمة، رقم الحدیث، 2194.

[12] المصدر نفسه، رقم الحدیث 2171.

[13] المصدر نفسه، رقم الحدیث 2192.

[14] نهج البلاغة، الحکمة، رقم 113.

[15] الحجرات، 13.

[16] منتخب میزان الحکمة، رقم الحدیث 6664.

[17] المصدر نفسه، رقم الحدیث 6683.

[18] نهج البلاغة، الخطبة 198.

[19] الاسراء، 70.

[20] ص، 71-72.

[21] جوادی آملی، عبدالله، الکرامة فی القرآن، ص 62.

[22] نهج البلاغة، الخطبة 183.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279856 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258229 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128613 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114522 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89277 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60478 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59975 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57127 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50662 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47453 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...