بحث متقدم
الزيارة
7738
محدثة عن: 2009/07/09
خلاصة السؤال
ما هی فلسفة زیارة الأئمة (ع)؟
السؤال
ما هی فلسفة زیارة الأئمة الأطهار (سلام الله علیهم)؟ ارجو أن تجیبوا بجواب فلسفی تماماً.
الجواب الإجمالي

المیل و الإنجذاب الباطنی لشخص أو لشیء، و المصحوب بتعظیمة و تکریمة، یقال له زیارة. و حیث إن حقیقة الإنسان هی روحه التی لا تفنی أبداً، فإن الزائر الذی یزور عظیماً بعد موته فهو فی الحقیقة قد زار موجوداً حیّاً و انجذب الیه و عظّمه و کرّمه و استمدّ منه، فالزیارة هی إرتباط حی بحی. و للزیارة آثار و فوائد فردیة و اجتماعیة منها الإرتباط بالإنسان الکامل و اظهار الإیمان و الإرتباط بالله، و تکریم أهل البیت(ع) و تعظیمهم، و تقلیل ارتکاب السیّئات و الإتّحاد و الإنسجام أمام الأعداء.

الجواب التفصيلي

الزیارة فی لغة العرب بمعنی القصد و المیل.[1]

و فی الإصطلاح هی بمعنی قصد المزور اکراماً له و تعظیماً له و استیناساً به.[2] و لها ثلاثة أرکان:

1. الزائر: و هو عبارة عن الشخص الذی له قصد و میل نحو شخص أو شیء ما.

2. المزور: و هو الشخص الذی یکون قصد الزائر و میله نحوه.

3. الصفة الباطنیة و هی المیل و القصد المقارن للتکریم و التعظیم من قبل الزائر.

فإذا اختلّ أحد هذه الأرکان الثلاثة أو لم یتحقق بمعناه الواقعی و الحقیقی فلا تقع الزیارة صحیحة، و کلّما ازدادت و تعمّقت معرفة الزائر بالمزور و کان المزور أیضاً متمتّعاً بکمالات أکثر یزداد تأثیر الزیارة و فضلها.

و حیث إن روح (نفس) الإنسان هی موجود مجرّد و لا طریق للفناء و الزوال الیه، فهی لا تفنی أبداً بالموت بل تنتقل من عالم صغیر الی عالم أوسع و ارحب. و فی الحقیقة تتحرّر الروح من سجن البدن. و بناء علی هذا فحتّی حینما یزور الزائر مرقداً و محلّاً لدفن شخص و یرتبط به، فهذا الإرتباط هو من ارتباط الحی بالحی.

یقول الشیخ الرئیس ابن سینا:"الزائر الذی یذهب بوجوده المادی و الروحی نحو المزور یستمد من نفس المزور أن تحقّق له خیراً أو تدفع عنه ضرراً. و نفس المزور أیضاً و بسبب انفصالها عن عالم المادة و مشابهتها للعقول المجرّدة فهی ستکون منشأ لأثر کبیر متکامل. و حیث إن الزائر توجّه بجسمه و روحه نحو المزور فهو سوف ینال فوائد مادیة و روحیة أیضاً.[3]

و بملاحظة هذا المعنی للزیارة فسوف لا تختلف حیاة المزور عن مماته عند الزائر فهو سوف یعتبره شاهداً و حاضراً. و قد صرّحت أو أشارت روایات کثیرة بهذا المعنی و هو أن حیاة المعصوم(ع) و مماته شیء واحد. یقول رسول الله(ص):" من زارنی بعد وفاتی کان کمن زارنی فی حیاتی و کنت له شهیداً و شافعاً یوم القیامة".[4]

و کذلک سوف لا یختلف عنده القریب و البعید. یقول الرسول الأکرم(ص):" من زار قبری بعد موتی کان کمن هاجر الیّ فی حیاتی فإن لم تستطیعوا فابعثوا الی بالسلام فإنه یبلغنی".[5]

و ما ورد فی بعض الزیارات من إقرار بحیاة المزور فهو لأجل أن یتنبّه الزائر الی انه یتکلّم مع حی . انه یقوم بزیارة حی، حیث نقرأ فی زیارة الإمام الحسین(ع): اشهد أنّک تسمع کلامی و تردّ جوابی.[6]

صحیح ان الروح المجردة لیس لها محلّ و مکان و لذا یمکن للإنسان الزائر أن یتوجّه الیه فی کل مکان و زمان و یطلب منه العون، و لکن و بسبب العنایة الخاصة لنفس المزور ببدنه، سوف یتحقق موقف خاص فی جنب البدن ففی هذه الأمکنة تکون فرص التقرّب و النیل أوفر، لأن روح الإنسان بعد مفارقتها للبدن یکون لها نوع ارتباط و علاقة بذلک البدن المادی، و لذا یشاهد أحیاناً بعض الأبدان تبقی متماسکة و لا تتآکل حتی بعد مدة طویلة من دفنها تحت التراب، علی الرغم من وجود أقوال مختلفة فی طریقة و کیفیة هذا الإرتباط.[7] و لهذا السبب تزداد الحالة المعنویة للشخص فی المزارات و یکون أکثر استعداداً للارتباط الروحی و یکون ذهنه أکثر تحرّراً من المشاغل الیومیة و الکدورات ففی هذه الحالة حیث تکون النفس متزوّدة بالقوة و الکرامة سوف تنتفع بالزیارة.

و فی الزیارة الواعیة و التی تکون عن معرفة بالأئمة المعصومین(ع) و إنها زیارة الإنسان الکامل و ولی الله، توجد فوائد مادیة و معنویة کثیرة و قیّمة و ربّما کانت هی فلسفة الزیارة. و نشیر فیما یلی الی بعض منها:

1. الإرتباط بالله: کما ان طاعة الأئمة(ع) هی طاعة الله و عصیانهم عصیان الله و إن من اتّبعهم فقد اتبع الله، فإن کل من عظمهم یکون قد عظم الله.

2. الزیارة إعلان و إبراز الحب لله، حیث إن الدین لیس هو سوی الحب، و الأئمة(ع) محبّ و محبوب الله، و حبّ محبوب الله حبّ الله، فزیارة المراقد المطهرة لأهل البیت(ع) هی تجلّیات لهذا العشق و الحب و الوله.[8]

3. تکریم و تعظیم الإنسان الکامل: و النموذج البارز للإنسان الکامل هم الأئمة الأطهار(ع) فإن کل کمال ممکن فهو موجود فیهم بلا نقص، و من هنا اعتبروا فی حدیث الثقلین المتواتر عدل القرآن، حیث إنهم النسخة العملیّة من القرآن. فتکریم أهل البیت و تعظیمهم هو تکریم لمقام الإنسانیة و الخلافة الإلهیة، و زیارة قبورهم هی أحد مظاهر هذا التکریم.

4. تجدید البیعة مع الإنسان الکامل: کان الأئمة الأطهار(ع) یسعون علی مدی حیاتهم المادیة لأداء وظائفهم المقدسة و تحقیق الأهداف الرفیعة التی تحتاج الی عون و مساعدة من قبل الأنصار المخلصین الذین کانوا قلیلین جدّاً فی ذلک الوقت، و لهذا السبب لم تتحقق الی الآن الکثیر من تلک الأهداف، فزیارة المزور هی بیعة و عهد بالوفاء بتحقق تلک الأهداف.

5. الزیارة ارتباط بالإنسان الکامل و اتصال بجوهر الإنسانیة.

6. زیارة الأئمة هی إیمان بالدین و إظهار الخضوع له.

7. الاعراض عن الدنیا و ذکر الموت و إبعاد الموانع التی تعیق الإنسان عن مسیر الکمال.

8. أکّد الدین الإسلامی کثیراً علی البعد الإجتماعی، کالحج و صلاة الجماعة و الحضور فی الإجتماعات و ... و من البدیهی أن تترتّب فوائد کثیرة علی هذه الإجتماعات. و حینما نحلّل هذه القضیة ترتب آثار و فوائد و برکات کثیرة علیها (الزیارة). فمن آثارها أن یشعر المسلم بقیمة المجتمع الإسلامی، فهو حینما یعیش لفترة مع المؤمنین فی مجتمع الإسلامی تحصل له حالة اطمئنان بالنسبة للمجتمع الإسلامی.

و کذلک الأشخاص غیر المؤمنین و المسلمین حینما یشاهدون هذه الإجتماعات، فعلی الأقل سیکفّون و لو لفترة عن ارتکاب أعمال السوء. و هذا هو أقل فائدة یجنیها المجتمع الإسلامی. و یقول خبراء الامور الجنائیة بأنه فی مثل أیّام هذه المناسبات کشهر رمضان تصل نسبة الجرائم الی الحدّ الأدنی. و مثل هذه الفوائد کثیر لا یسع المجال لذکرها.

و اما الفوائد السیاسیة التی تترتّب علی مثل هذه القضایا فهی بدیهیة و واضحة جداً، فمنها الإتحاد و الإنسجام و هو عامل أساسی فی مقابل الأعداء.

و الثانی: ان العدو حینما یری اجتماع الزائرین فإنه یفتح لهم حساباً مستقّلاً. و لذا نری أنه حتی الأحزاب العلمانیة تلجأ الی إقامة التجمّعات و الإستعراضات من أجل إبراز قوّتها أمام معارضیها.



[1] الاصفهانی، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقیق الداوودی، صفوان عدنان، ص 387، الطبعة الاولی، الدار الشامیة، بیروت 1416 ق.

[2] الطریحی، فخر الدین، مجمع البحرین، ج 3، ص 320، الطبعة الثانیة المکتبة المرتضویة 1365.

[3] رسائل ابن سینا، ص 338، نقلاً عن جوادی، مرتضی، فلسفة الزیارة و آدابها.

[4] القمی، ابن قولویه، کامل الزیارات، ص 45، الطبعة الاولی، المرتضویة، النجف 1365 ه.ق.

[5] القمی، عباس، سفینة البحار، ج 3، ص 518، الطبعة الثانیة، اسوة، قم 1416 ق.

[6] القمی، عباس، مفاتیح الجنان، زیارة الإمام الحسین فی منتصف شهر رجب، ص 798، الطبعة الثانیة، آرمان، قم 1380 هـ. ش.

[7] لاحظ: فلسفة الزیارة و آدابها، ص 27.

[8] لاحظ: جوادی الآملی، عبد الله، صهباء الحج، ص 489، الطبعة الثانیة، الأسراء، قم 1378 ش.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279256 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    256557 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    127954 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    112387 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    88828 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    59382 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59245 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56764 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    49038 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47033 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...