بحث متقدم
الزيارة
3916
محدثة عن: 2011/05/21
خلاصة السؤال
ما هو الهدف الاساسی للدعاء؟
السؤال
ما هو الهدف الاساسی للدعاء؟
الجواب الإجمالي

الادعیة تمثل تفسیرا للقرآن الکریم و شرحا للمعارف السماویة السامیة و مذکرة بالاسلوب التربوی القرآنی و مؤکدة للتعالیم الوحیانیة. و الدعاء نعمة لا غنى عنها و فرصة ذهبیة منحها الباری تعالى لعبادة للاتصال به و الحضور فی ساحته المقدسة و مد ید الاستمداد و الطلب منه لیکون لهم عونا لسلوک جادة السعادة و الرفعة المعنویة و الروحیة. فالدعاء علاج للمشاکل النفسیة و البدنیة معا.

و لا یعنی الدعاء بالضرورة ان یطلب الانسان من ربّه شیئا ما. بل ترى الداعی احیانا لا یرید الا طلب الباری نفسه و هذه أسمى درجات الدعاء و أجلها التی لاتدانیها مرتبة، و هذا ما یمکن العثور علیه فی الادعیة الواردة عن المعصومین (ع).

الجواب التفصيلي

لکی یتضح هدف الدعاء و فلسفته لابد من الالتفات الى النکات الضروریة التالیة:

الف: الدعاء توجه الانسان نحو النبع الالهی الفیاض للوجود و الربوبیة. و لا توجد من بین جمیع العبادات عبادة کالدعاء تحقق تلک العلاقة المیمونة على أکمل وجه و تمنحها الاستمراریة و الخلود. فالدعاء فرصة ذهبیة منحها الباری تعالى لعبادة للاتصال به و الحضور فی ساحته المقدسة و مد ید الاستمداد و الطلب منه لیکون لهم عونا لسلوک جادة السعادة و الرفعة المعنویة و الروحیة. فالدعاء علاج للمشاکل النفسیة و البدنیة معا.

ب: معرفة الانسان الکاملة لنفسه و حاجاته اللامحدودة و کذلک معرفة الغنى المطلق للباری تعالى و أنه مبدأ الصالحات و جمیع الخیرات و الکمالات، له علاقة مباشرة بالدعاء. و لاریب هنا ان العلاقة بین الدعاء و بین شدة التوسل و التضرع علاقة طردیة، فکلما کانت الحاجات عظیمة و کبیرة و کانت الآلام و المحن أشد و أصعب، کانت نسبة الدعاء و التوسل و التضرع الى الباری تعالى قویة و شدیدة. و لعل السر فی التأکید الخاص لسنة النبی الاکرم (ص) و الائمة (ع) على الدعاء کامن فی هذه القضیة و هکذا سر اشتیاق الکثیر من الاجلاء و العلماء للدعاء کذلک[1]. فقد کان النبی الاکرم (ص) فی الوقت الذی یکثر فیه من الدعاء و التضرع تراه یحث الآخرین علیه و یحذر من ترکه و عدم الاعتناء به.[2]

یقول الامام الصادق (ع) فی وصف أمیر المؤمنین (ع): "کَانَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ ع رَجُلًا دَعَّاءً".[3] 

و هکذا کان الامر بالنسبة الى سائر الائمة (ع) حیث أولوا الدعاء أهمیة کبیرة و عنایة خاصة، و لقد ترکوا لنا تراثا غنیا و کنزا عظیما فی مجال الدعاء و التضرع کالصحیفة السجادیة و الصادقیة و الکاظمیة و الرضویة.

ج: إن المتأمل فی تلک الصحف و سائر الادعیة الواردة عن أئمة أهل البیت (ع) یکتشف بما لا ریب فیه أن اقصى مراتب الحاجة و قمة حاجات الائمة تکمن فی العشق الالهی و اظهار المحبة و العشق اللامتناهی للمعبود الواحد الاحد و الشکر له على جمیع نعمه و افضاله و الالتفات الى عظمته و جلاله سبحانه؛ یعنی أن الانسان یصل الى نوع من الرقی المعنوی و الارتقاء الروحی بنحو یهیمن علیه العشق الالهی و یغمره النور الربانی فلا یرى الا معشوقه و لایفکر الا فی خالقه الازلی و الابدی فهو لا یرى الا الحبیب و لا یطلب سواه.

فالدعاء لا یعنی بالضرورة ان یطلب الانسان من ربّه شیئا ما. بل ترى الداعی احیانا لا یرید الا طلب الباری نفسه و هذه اسمى درجات الدعاء و أجلها التی لاتدانیها مرتبة، و هذا ما یمکن العثور علیه فی الادعیة الواردة عن المعصومین (ع). من هنا نرى النبی الاکرم (ص) یتضرع الى الله تعالى لیلهمه حبه و عشقه فقد جاء فی الدعاء المروی عنه (ص): " اللهم انی اسالک حبک و حب من یحبک، و العمل الذی یبلغنی حبک. اللهم اجعل حبک احب الیّ من نفسی و اهلی و من الماء البارد".[4]

د: الدعاء فی الفکر الاسلامی بالاضافة الى کونه وسیلة لاظهار العشق الالهی، یعد اسلوبا مهما و مؤثراً فی التربیة و التعلیم الروحیة تساعد الانسان فی حیاته الفردیة و الاجتماعیة معا.

إن مجموعة التعالیم الدینیة و الارشادات التربویة و المعارف الالهیة الکامنة فی متون الادعیة تشیر الى اصلین أساسیین هما التربیة و التعلیم و تفهیم المعارف على أساس المعتقدات الاسلامیة.

لاریب أن التضرع الى الله و رفع ید الحاجة الى الله تعالى تخلق فی الانسان حالة الغنى و الشعور بعدم الحاجة للآخرین، و لم یختص الأمر بالتعالیم الاسلامیة بل تجد ظاهرة الدعاء لدى جمیع المذاهب و الادیان الکثیر من الادعیة و المناجاة مع الباری تعالى. نعم، للادعیة الاسلامیة میزتها الخاصة المتمثلة بعمق المحتوى و الأثر السریع الذی تحققه تلک الادعیة فی جمیع مناحی الحیاة. و بعبارة أخرى: أن الدعاء فی الاسلام – باستثاء الادعیة القرآنیة التی هی عین الوحی- بیان آخر للتعالیم التی تبنی الفرد و تعالج المجتمع معالجة وحیانیة؛ بمعنى أن جمیع الدروس القرآنیة التی رسمها الرحمن الرحیم لتربیة الانسان بواسطة آیاته السماویة تعتبر الادعیة مفسرة لها و شارحة للمعارف السماویة و مذکرة بالتربیة القرآنیة و مؤکدة للتعالیم الوحانیة.[5]

فما الفرق بین القرآن الکریم و متن الصحیفة السجادیة حیث کلاهما ینبعان من عین واحدة و یهدفان الى الى حقیقة مشترکة سوى کون أحدهما یمثل القرآن النازل و المعجزة الالهیة الخالدة و الآخر یعد بمثابة القرآن الصاعد و إملاء الامام زین العابدین (ع)؟

هـ: بعد ان اطلعنا على المکانة السامیة للدعاء فی الفکر الاسلامی و دوره الکبیر فی بناء الفرد و المجتمع و علاقته اللامنفکة مع الوحی الالهی، من حقنا ان نعتب و نعبر عن الحرقة التی تجول فی النفس بسبب الاهمال الذی تعرض له هذا التراث العظیم سواء على مستوى العوام أو العلماء و المفکرین! فکیف تعامل الناس مع هذا الارث التربوی العظیم و القائم على الاصول الاصیلة للمعارف الاسلامیة و لماذا أقصوه من حیاتهم؟ و ما هو السبیل للرجوع الیه و ازاحة رکام الاهمال و الغربة و اللامبالاة عنه.

إنه لا دلیل على هذا الاهمال سوى جهل الناس و مدعی العلم و المعرفة - على مر التاریخ- بالقیمة الکبرى و الدور الفاعل و البناء للادعیة، الأمر الذی جعل الکثیر منا یعیشون الغربة و الفرقة بینهم و بین هذا التراث بنحو تراه اقصی من ساحة حیاتهم، او انحصرت الاستفادة منه لجلب المنافع الجزئیة منه و ذلک لعدم الامعان فی عمق فلسفة الدعاء، من هنا یکون الدعاء مجرد وسیلة لاملاء الفراغ و نردده مجرد الفاظ حتى و ان لم نکن نعلم محتواه و لم نستوعب رسالته العمیقة و المتنوعة؛ و انما نقصر الدعاء لطلب حاجات حقیرة و قضایا قلیلة الجدوى و المنفعة او لمجرد تحصیل الثواب او لتبریر النواقص و الاخطاء التی نقع فیها؛ و مما لاریب فیه أن هذا هو أدنى درجات التعامل مع المأثور من الادعیة فلم نکتشف بعد الکنز العظیم و النکات المهمة الکامنة فیها و التی تسوق الانسان لیعیش الجنة فی الدنیا و المتمثلة بالرضا الالهی.

و فی الختام نشیر الى مقاطع من الدعاء الثانی و الخمسین من الصحیفة السجادیة و الذی یقول فیه الامام السجاد (ع): "إِلَهِی أَسْأَلُکَ بِحَقِّکَ الْوَاجِبِ عَلَى جَمِیعِ خَلْقِکَ، وَ بِاسْمِکَ الْعَظِیمِ الَّذِی أَمَرْتَ رَسُولَکَ أَنْ یُسَبِّحَکَ بِهِ، وَ بِجَلَالِ وَجْهِکَ الْکَرِیمِ، الَّذِی لَا یَبْلَى وَ لَا یَتَغَیَّرُ، وَ لَا یَحُولُ وَ لَا یَفْنَى، أَنْ تُصَلِّیَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ أَنْ تُغْنِیَنِی عَنْ کُلِّ شَیْ‏ءٍ بِعِبَادَتِکَ، وَ أَنْ تُسَلِّیَ نَفْسِی عَنِ الدُّنْیَا بِمَخَافَتِکَ، وَ أَنْ تُثْنِیَنِی بِالْکَثِیرِ مِنْ کَرَامَتِکَ بِرَحْمَتِکَ. * فَإِلَیْکَ أَفِرُّ، و مِنْکَ أَخَافُ، وَ بِکَ أَسْتَغِیثُ، وَ إِیَّاکَ أَرْجُو، وَ لَکَ أَدْعُو، وَ إِلَیْکَ أَلْجَأُ، وَ بِکَ أَثِقُ، وَ إِیَّاکَ أَسْتَعِینُ، وَ بِکَ أُومِنُ، وَ عَلَیْکَ أَتَوَکَّلُ، وَ عَلَى جُودِکَ وَ کَرَمِکَ أَتَّکِل‏".[6]و[7]



[1] الکلینی، اصول الکافی، ج 2، ص 468.

[2] قال رسول الله  (ص) : «ترک الدعا’، معصیة»، تنبیه الخواطر، ج 2، ص 154.

[3] اصول الکافی، ج 2، ص 468.

[4] کنزالعمال، ح 3648.

[5] جامعه سازی قرآنی (بناء المجتمع)، ص 193.

[6] الصحیفة السجادیة، رقم الدعاء52.

[7] متقتبس من دانشنامه حوزة، بتصرف.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    255514 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    96883 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    93546 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    46988 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    42480 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    33682 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    32819 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    30435 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    29812 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    28417 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...

الروابط