بحث متقدم
الزيارة
6521
محدثة عن: 2012/03/03
خلاصة السؤال
كيف ينسجم خطاب النبي الاكرم (ص) لعلي " انت تقضي ديني" مع كراهة الاقتراض؟
السؤال
روي عن النبي الاكرم (ص) أنه قال لعلي (ع): "انت تقضي ديني"، هل الدين هنا بمعنى الاقتراض المالي؟ و اذا كان كذلك كيف ينسجم ذلك مع الروايات الاخرى التي تشير الى كراهة الاقتراض؟
الجواب الإجمالي

قال ارباب اللغة في بيان معنى الدين: دان الرجل يدين دينا من المداينة. و دان الرجل إذا استقرض. و ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم أربع مرات كلها بمعنى القرض. من هنا يكون المراد من الحديث المذكور في متن السؤال هو المعنى الظاهري أي القرض.

و الروايات الدينية تنقسم الى طائفتين طائفة منها لا تحبذ القرض (الدين) و تكره الاستدانة، و طائفة أخرى تشير الى ان المعصومين (ع) أنفسهم كانوا قد استدانوا و اقترضوا من غيرهم، و كذلك سائر الاصحاب! كما فعل ذلك النبي الاكرم (ص) و الإمام علي و الحسن و الحسين (ع) و الكثير من الصحابة. و الجمع بين الطائفتين من الروايات  و رفع التعارض الظاهري بينهما، يتم من خلال حمل الروايات الذامة للاقتراض على الحالات التي يقترض فيها الانسان من دون حاجة و لا اضطرار للاقتراض، و اما الحالات التي يقترض فيها الانسان ليسد من خلال القرض حاجته فليست مذمومة فحسب، بل قد شجعت الروايات اصحاب الاموال على اقراض المحتاجين و جعلت القرض افضل من الصدقة.

الجواب التفصيلي

ذكر ارباب اللغة في بيان معنى الدين: دان الرجل يدين دينا من المداينة. و دان الرجل إذا استقرض.[1] و ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم أربع مرات كلها بمعنى القرض.[2] من هنا يكون المراد من الحديث المذكور في متن السؤال هو المعنى الظاهري أي الاقتراض.

و هنا يثار السؤال التالي: هل يتنافى هذا المعنى  مع نهي المعصومين (ع) عن الاقتراض في روايات اخرى أو لا؟ و هذا ما نحاول تسليط الضوء عليه هنا. و لكي يتضح الامر جليا لابد من الاشارة الى بعض الامور:

1. ورد في بعض الروايات – كما في متن السؤال- النهي عن الاقتراض، و ان النبي الاكرم (ص) لم يصل على جنازة رجل مقترض.

و عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أعوذ بالله من الكفر و الدين! قيل: يا رسول الله أ تعدل الدين بالكفر؟ قال: نعم.[3]

 و روي عن معاوية بن وهب قال: قلت لأَبي عبد اللَّه (ع): إِنَّهُ ذكر لنا أَنَّ رجلا من الأَنصار مات و عليه دينَاران ديناً فلمْ يُصلِّ عليه النَّبِيُّ (ص) و قال: صَلُّوا على أَخيكم حتَّى ضمنهما عنهُ بعضُ قراباته؟ فقال أَبو عبد اللَّه (ع): ذاك الحق.[4]

2. عندما نرجع الى تاريخ النبي الاكرم (ص) و الائمة الاطهار (ع) -علي و الحسن و الحسين- و الكثير من المسلمين، نراهم قد فارقوا الدنيا و هم مدينين!!

فقد روي في زهد النبي الاكرم (ص) أنه: ملك من أقصى اليمن إلى شجر عمان إلى أقصى الحجاز إلى نواحي العراق ثم توفي و عليه دين و درعه مرهونة بطعام أهله ما ترك درهما و لا دينارا و لا شيد قصرا و لا غرس نخلا لنفسه و لا شق نهراً.[5] كذلك رويت الصورة نفسها لبعض الائمة الاطهار و كثير من صحابة النبي الاكرم (ص).[6]

إذن الروايات الدينية تنقسم الى طائفتين طائفة منها لا تحبذ القرض (الدين) و تكره الاستدانة، و طائفة أخرى تشير الى ان المعصومين (ع) أنفسهم كانوا قد استدانوا و اقترضوا من غيرهم، و كذلك سائر الاصحاب! و من هنا لابد من الجمع بين الطائفتين و رفع التعارض الظاهري بينهما،  ولنرى متى يكره الاقتراض:

الف: هناك من يقترض لحاجة و ضرورة تقتضي ذلك، و ليس أمامه طريق في معالجة المشكلة التي تواجهه الا الاقتراض؛ فهؤلاء لا تشملهم الاحاديث الناهية عن الاقتراض جزما، بل قد يجب عليهم الاقتراض أحيانا.

ب: هناك طائفة من الناس تقترض لا لسد الحاجة و معالجة المشكلة بل لتوفير المزيد من الرفاهية و الحياة المجللة و مزيد من البهرجة في الحياة، فهذا النوع من الاقتراض مذموم، بل قد يحرم اذا أدى الى هتك حرمة المؤمن (المقترض).

و هنا نحاول الاشارة الى بعض الحكم الكامنة في عدم تحبيذ الاقتراض، منها:

الف: القرض يؤدي الى المزيد من الهموم، قال رسول الله (ص): إياكم و الدين فإنه هم بالليل و ذل بالنهار. و عن أمير المؤمنين (ع): " إياكم و الدين فإنه مذلة بالنهار و مهمة بالليل‏".[7]

ب: الدين لا يسقط حتى لو استشهد الرجل في سبيل الله تعالى، فعن الامام الباقر (ع) أنه قال: كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله إلا الدين لا كفارة له إلا أداؤه أو يقضى عن صاحبه أو يعفو الذي له الحق.[8]

ج: استخفاف الناس بالدين: فقد روي عن الامام الصادق (ع) في بيان العلة التي من أجلها امتنع الرسول الاكرم (ص) من الصلاة على المدين، أنه (ع) قال: "َ إِنَّ رسول اللَّه (ص) إِنَّما فعل ذلك ليتَّعظُوا و لئلا يستخفُّوا بِالدَّيْن".[9] لا لكون الاقتراض في نفسه حراما، كيف؟! و قد مر أن النبي الاكرم (ص) و بعض الائمة (ع) و الصالحين من المسلمين قد اقترضوا في حياتهم بل ماتوا مدينين لغيرهم.[10]

و من الضروري هنا ايضا الالتفات الى الروايات الاخرى التي حثت على الاقراض و جعلت الثواب الكبير على هذا العمل.[11]

و الجدير بالذكر أن العلامة المجلسي حاول الجمع بين الرواية القائلة بامتناع النبي (ع) عن الصلاة على المقترض و بين قوله (ص) : "َ مَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَعَلَيَّ وَ إِلَيَّ وَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ" قائلا (ره): ربما يتوهم التنافي بين أمثال هذا الخبر و بين ما ورد من الأخبار من طرق الخاصة و العامة من أن النبي ص ترك الصلاة على من توفي و عليه دين و قال صلوا على صاحبكم. و في طريقنا حتى ضمنه بعض أصحابه و قد يجاب بأن هذا كان قبل ذلك عند التضيق و عدم حصول الغنائم و ذلك كان بعد التوسع في بيت المال و تيسر الفتوحات و الغنائم‏.[12]

و يؤيده ما روي من طريق المخالفين أنه كان يؤتى بالمتوفى و عليه دين فيقول (ص): هل ترك لدينه قضاء؟ فإن قيل: ترك. صلى. فلما فتح الله تعالى الفتوح قال (ص): أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من توفي و ترك دينا فعلي و من ترك مالا فلورثته.[13]



[1] المصطفوي، حسن،‏ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج ‏3، ص 287، بنگاه ترجمه و نشر كتاب‏، طهران‏، 1360 ش‏.

[2] انظر: النساء، 11و 12.

[3] الشیخ الصدوق، علل الشرائع، ج ‏2، ص 527 – 529، مکتبة الداوري‏، الطبعة الاولی، قم.

[4] الشیخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، من‏لايحضره‏الفقيه ج : 3 ص : 182، نشر جماعة المدرسين، قم، 1413هـ‏.

[5] القطب الراوندي، الخرائج و الجرائح، ج ‏2، ص 885، مدرسه الامام المهدي‏، الطبعة الاولی، قم، 1409 ق‏.

[6] لمزيد الاطلاع انظر: علل الشرائع، ج ‏2، ص 527 – 529.

[7] علل الشرائع، ج ‏2، ص 527 – 529.

[8] نفس المصدر.

[9] من‏لايحضره‏الفقيه ج : 3 ص : 182.

[10] انظر: علل الشرائع، ج ‏2، ص 527 – 529.

[11] لمعرفة اهمية القرض و مكانته في الفكر الاسلامي انظر: القرض و افضليته على الصدقة، السؤال رقم  13033 (الموقع: 12763)

[12] العلامة المجلسي، بحارالأنوار ج : 27 ص : 242 ، موسسة الوفاء بيروت، 1404هـ.

[13] نفس المصدر.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279732 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257987 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128478 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114155 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89189 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60241 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59833 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57038 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50343 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47383 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...