بحث متقدم
الزيارة
3447
محدثة عن: 2010/07/15
خلاصة السؤال
هل أن شهادة خزیمة فی مورد الآیة الأخیرة من سورة التوبة صحیحة؟
السؤال
هل صحیح ما یذکر من أن الناس کانوا - عند جمع القرآن- یأتون زید بن ثابت فکان لا یکتب آیة الا بشاهدی عدل، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزیمة بن ثابت فقال: اکتبوها، فإن رسول الله (ص) جعل شهادته بشهادة رجلین، فکتب. وإن عمر آتى بآیة الرجم فلم یکتبها لأنه کان وحده؟ (الإتقان ص75).
الجواب الإجمالي

مع أخذ بنظر الاعتبار الاختلاف فی النقل وأن المذکور فی الروایات إسمان خزیمة بن ثابت، و أبو خزیمة، هذا من جهة، و من جهةٍ أخرى لا بد أن یثبت النص القرآنی عن طریق التواتر، فلا یمکن أن تکون هذه الروایات و الأقوال صحیحة، و القرآن لا یثبت بشهادة شخص أو شخصین. إضافةً إلى ذلک فإن آخر سورة التوبة لم تثبت بشهادة خزیمة فقط، و إنما شهد الآخرون إلى جانب خزیمة بإنها آیة قرآنیة. هذا بالاضافة الى الاهتمام الکبیر الذی کان النبی الاکرم (ص) یبدیه فی مسألة حفظ القرآن و اهتمامه الکبیر بذلک، فکیف تکفی شهادة و قراءة شخصٍ واحد لإثبات آیة قرآنیة. و حتى لو فرضنا أن جمیع کتاب الوحی قد استشهدوا فإن علیاً أمیر المؤمنین موجودٌ لیشهد بکونها آیة قرآنیة، لذلک لا یمکن قبول هذه الروایات.

الجواب التفصيلي

قبل الإشارة إلى صحة أو سقم ما جاء فی السؤال نلقی نظرة  على النظریات المطروحة فی الکتب المختصة بعلوم القرآن لیکون حکمنا أکثر دقة و موضوعیة:

1ـ یقول زید بن ثابت المسؤول عن جمع القرآن حسب هذه النظریة: قال لی أبو بکر: إنک شاب عاقل لا نتهمک ، قد کنت تکتب الوحی لرسول الله ، فتتبع القرآن. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب ، فوجدت آخر براءة مع خزیمة بن ثابت : { لقد جاءکم رسول من أنفسکم ...}.[1]

2ـ « قال الزهری : وحدثنی خارجة بن زید بن ثابت أن زید بن ثابت قال : فقدت آیة من سورة کنت أسمع رسول الله صلى الله علیه وسلم یقرؤها : { من المؤمنین رجال صدقوا ما عاهدوا الله علیه فمنهم من قضى نحبه } فالتمستها فوجدتها مع خزیمة بن ثابت أو أبی خزیمة ، فألحقتها فی سورتها »[2].

3ـ « روى یحیى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال:

 أراد عمر بن الخطاب أن یجمع القرآن فقام فی الناس، فقال: من کان تلقى من رسول اللّه (ص) شیئا من القرآن فلیأتنا به، و کانوا کتبوا ذلک فی الصحف و الألواح، و العسب، و کان لا یقبل من أحد شیئا حتى یشهد شهیدان، فقتل و هو یجمع ذلک إلیه، فقام عثمان، فقال: من کان عنده من کتاب اللّه شى‏ء فلیأتنا به، و کان لا یقبل من ذلک شیئا حتى یشهد علیه شهیدان، فجاءه خزیمة بن ثابت، فقال: إنی قد رأیتکم ترکتم آیتین لم تکتبوهما. قالوا: ما هما؟ قال: تلقیت من رسول اللّه (ص) "لَقَدْ جاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ ما عَنِتُّمْ "...

إلى آخر السورة، فقال عثمان: و أنا أشهد أنهما من عند اللّه، فأین ترى أن نجعلهما قال اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة»[3].

4ـ « کان عمر لا یثبت آیة فی المصحف حتى یشهد رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بهاتین الآیتین: "لَقَدْ جاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ ..." إلى آخرها. فقال عمر: لا أسألک علیها بیّنة أبدا، کذلک کان رسول اللّه»[4].

5ـ « روى خزیمة بن ثابت. قال: «جئت بهذه الآیة: (لقد جاءکم رسول من أنفسکم ...) إلى عمر بن الخطاب و إلى زید بن ثابت. فقال زید: من یشهد معک؟ قلت: لا و اللّه ما أدری. فقال عمر: أنا أشهد معه ذلک»[5].

 روى زید بن ثابت:  «لما کتبنا المصاحب فقدت آیة کنت أسمعها من رسول اللّه (ص) فوجدتها عند خزیمة بن ثابت (مِنَ الْمُؤْمِنِینَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَیْهِ ... إلى تَبْدِیلًا). و کان خزیمة یدعى ذا الشهادتین أجاز رسول اللّه (ص) شهادته بشهادة رجلین»[6].

7ـ « قد أخرج ابن اشته، عن اللیث بن سعد. قال: «أول من جمع القرآن أبو بکر، و کتبه زید، و کان الناس یأتون زید بن ثابت، فکان لا یکتب آیة إلا بشهادة عدلین، و إن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبی خزیمة بن ثابت. فقال: اکتبوها فإن رسول اللّه (ص) و سلّم جعل شهادته بشهادة رجلین، فکتب، و إن عمر أتى بآیة الرجم فلم نکتبها لأنه کان وحده»[7].

هذه هی الروایات المنقولة فی جمع القرآن فیما یخص الآیات فی آخر سورة التوبة، و عندما ندقق فی هذه الروایات نعلم أن بعضها تصرح بأن هاتین الآیتین جاء بهما أبو خزیمة، و لکن الروایات الأخرى تصرح بأن خزیمة بن ثابت هو الذی جاء بالآیتین. یقول بن عبد البر فی هذا المورد: « و هما رجلان لیس بینهما نسبة أصلا»[8].

و فی مسألة کون هاتین الآیتین من القرآن هناک ثلاثة طوائف من الروایات: الطائفة الأولى تؤکد أن ثبوت الآیتین بشهادة شخصٍ واحد، و لکن فی روایات أخرى أضیفت شهادة عثمان، و فی روایات آخرى أضیفت شهادة عمر إلى شهادة الشخص الأول.

و من الجدیر بالذکر فی هذا المجال أن المسلمین اتفقوا و أجمعوا على مسألتین: الأولى أنه لا یثبت کون آیة قرآنیة و نصاً قرآنیاً إلا عن طریق التواتر المورث للیقین، و الثانیة: أنه لا وجود لأی زیادة فی القرآن الکریم. و لکن روایات التدوین التی ینصب علیها بحثنا تتنافى مع هاتین المسألتین الإتفاقیتین. و بعبارةٍ أخرى فإن جمیع المسلمین لا یرون أی طریق لإثبات کون النص قرآناً سوى التواتر المفضی إلى العلم و الیقین.

و لکن روایات جمع القرآن المتقدمة تدل على أن القرآن یثبت بشهادة شخصین مسلمین بل بشهادة شخص واحد تعادل شهادة شخصین.

و لازم هذا الکلام أن القرآن دوّن على أساس أخبار الآحاد، لا عن طریق التواتر! فهل یمکن لشخصٍ مسلم أن یلتزم بهذا الکلام؟! أم أنه یتحدث بمثل هذا؟! فکیف ینسجم القول أن ثبوت کون الکلام قرآناً بشهادة شخصٍ أو شخصین مع إجماع المسلمین علی أن التواتر و الیقین هو الطریق الوحید المؤدی إلى إثبات ذلک، ألیس القطع بأن القرآن لا یثبت إلا عن طریق التواتر لا عن طریق أخبار الآحاد و شهادة الشخص و الشخصین دلیل على کذب مثل هذه الروایات و الأخبار؟![9]

النظریة الصحیحة فی تدوین القرآن:

ما یمکن أن یقال فی هذا الموضوع على نحو الخلاصة و الاختصار هو أن القول بأن القرآن الکریم دون و جمع فی عهد الخلفاء قبل و بعد عصر الرسول أمرٌ موهوم و فرضٌ خاطئ لا یستند على أی أساس من الصحة و مخالف للقرآن و السنة و الإجماع و العقل. و لا یستطیع دعاة التحریف أن یثبتوا نظریتهم الخاطئة عن هذا الطریق. لأن القرآن دون و رتب فی حیاة رسول الله و بأمره و إشرافه و رعایته.

و إذا قبلنا على أساس الفرض أن القرآن جمع فی عهد أبی بکر، فإننا لا نقبل بالکیفیة التی نقلتها الروایات الآنفة الذکر، و علیه فإنها روایات کاذبة، لأن جمع القرآن تم على أساس قاعدة القطع و الیقین، أی أن آیات القرآن ثبتت على أساس التواتر و النقل القطعی بین المسلمین، و قد کانت هذه الآیات القرآنیة معروفة و مسلمة لدى المسلمین و محفوظة فی الصدور و القلوب و یستأنس بها المسلمون فی تلاوتها و تکرارها فی مجالسهم هذه هی الآیات التی جمعت و دونت فی مصحف واحد.

نعم لا شک فی أن عثمان جمع القرآن فی عصره و لکن لا بمعنى وضع الآیات و السور فی مصحف واحد بعد أن کانت مبعثرة و غیر مجموعة، و إنما بمعنى أنه جمع المسلمین و وحدهم على قراءة واحدة، ثم أمر بإحراق جمیع المصاحف التی لا تتفق مع هذه القراءة، و بهذه الطریقة منع المسلمین من الوقوع فی الاختلاف بسبب تعدد القراءات، و هذا ما أطلق علیه اصطلاح «توحید المصاحف»[10].

للاطلاع یمکن مراجعة الکتب التالیة:

1ـ البحر المحیط فی التفسیر، أبو حیان محمد بن یوسف الأندلسی ج5، ص535

2ـ البیان فی تفسیر القرآن، السید أبو القاسم الخوئی، ص240.

3ـ المیزان، ترجمة موسى الهمذانی، ج12.


[1] هاشم زاده هریسی، بیان در مسائل قرآن، ص 303 ، قم، مکتبة نجفی، بلا تاریخ.

[2]  بیان فی مسائل القرآن، ص304. وانظر احکام القرآن لابن العربی، مسالة جمع القرآن، ج4، 469.عن المکتبة الشاملة.

[3] بیان فی مسائل القرآن، ص305. وانظر: السید الخوئی، البیان فی تفسیر القرآن، ص: 241.

[4] بیان فی مسائل القرآن، ص306. وانظر: البیان فی تفسیر القرآن، ص: 241.

[5] بیان فی مسائل القرآن، ص307. وانظر: البیان فی تفسیر القرآن، ص: 242.

[6] بیان فی مسائل القرآن، ص308. وانظر: البیان فی تفسیر القرآن، ص: 244.

[7] بیان فی مسائل القرآن، ص312.

[8] بیان فی مسائل القرآن، ص320.

[9] بیان فی مسائل القرآن، ص323.

[10] بیان فی مسائل القرآن، ص324.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260665 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    115617 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102780 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100421 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46124 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43415 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41626 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36813 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35031 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33215 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...