بحث متقدم
الزيارة
4149
محدثة عن: 2010/12/01
خلاصة السؤال
هل کانت عقوبة عبادة العجل من قبل بنی إسرائیل حکیمة؟
السؤال
تقول الآیة 53 من سورة البقرة: "و إِذْ قال مُوسى‏ لقَوْمِهِ یا قَوْمِ إِنَّکُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَکُمْ بِاتِّخاذِکُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِکُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَکُمْ ذلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ عِنْدَ بارِئِکُمْ فَتابَ عَلَیْکُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحیمُ"، تأمّلوا فی کفّارة الجهالة التی قیل انها أفضل کفّارة. فهل أن قتل البعض لبعضهم هو عمل إنسانی أراده الله من بنی إسرائیل؟
الجواب الإجمالي

ذکر المفسّرون فی بیان مراد الله من الأمر بالقتل فی هذه الآیة ثلاثة إحتمالات: 1- أن هذا الأمر کان أمراً إمتحانیاً و قد رفع هذا الأمر عنهم بعد توبتهم.

2- المراد من القتل فی هذه الآیة هو قطع الشهوات النفسانیة و الوساوس الشیطانیة.

3- المراد من القتل فی هذه الآیة هو القتل الحقیقی، أی أن یقتل البعض البعض الآخر و یهلکه.

و حکمة هذا الحکم قد تکون هی أحد الموارد التالیة أو جمیعها:

الف: تطهیر بنی إسرائیل من الکفر و الشرک.

ب: المنع من تکرار هذا النوع من الذنوب الکبیرة.

ج: الاشارة الی أهمیة أمر الإنحراف عن أصل التوحید و المیل نحو عبادة الوثن.

و علی أیة حال فإن تحمّل أشدّ العقوبات هو ثمن الخلاص من جهنم.

الجواب التفصيلي

قال الله تعالی فی کتابه الکریم: "و إِذْ قال موسى‏ لقَوْمِهِ یا قَوْمِ إِنَّکُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَکُمْ بِاتِّخاذِکُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِکُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَکُمْ ذلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ عِنْدَ بارِئِکُمْ فَتابَ عَلَیْکُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحیمُ"[1] و قد ذکر المفسّرون فی بیان مراد الله تعالی فی هذه الآیة التی تأمر بقتل بنی إسرائیل بعضهم البعض الآخر ثلاثة احتمالات:

1- إن الأمر بالقتل فی هذه الآیة کان أمراً امتحانیاً کأمر النبی إبراهیم (ع) بقتل ولده إسماعیل. حیث ورد الخطاب إلیه قبل قتل إسماعیل: "یا إبراهیم قد صدقت الرؤیا"[2] و قال الله تعالی أیضاً فی قصة موسی(ع): " فتوبوا الی بارئکم فاقتلوا أنفسکم ذلکم خیر لکن عند بارئکم" و لکن قبل أن ینجز الأمر الإلهی بشکل کامل إعتبر الله سبحانه أن قتل البعض قتل للکل فقبل توبتهم.[3]

2- إن المراد بالقتل فی هذه الآیة قطع الشهوات النفسانیة و الوساوس الشیطانیة، و معنی الآیة أن علیکم أن تقطعوا شهواتکم النفسانیة و وساوسکم الشیطانیة و أن تقرّوا و تعترفوا باخلاص بوحدانیة الله.[4]

3- إن المراد من القتل فی هذه الآیة هو القتل الحقیقی أی لیقتل بعضکم بعضاً و یهلکه.[5] لأن هذا القتل خیر لکم من الحیاة الدنیا.

و الذین ذهبوا الی أن مراد الله تعالی هو القتل الحقیقی ذکروا بعض الحکم و التوجیهات لهذا الحکم الإلهی، نشیر فیما یلی الی بعضها:

الف: أن هذا القتل یؤدّی الی تطهیر بنی إسرائیل من الکفر و الشرک، و یکون سبباً لوصولهم الی الحیاة الخالدة و البهجة السرمدیة.[6]

ب: أن قتل الإنسان و إن کان عملاً قبیحاً و حراماً، و لکنه یصیر حسناً و واجباً أحیاناً نظراً لبعض المصالح، فإن المصلحة الدینیة و الاجتماعیة تغیّر عنوانه. و فی مورد بنی إسرائیل حیث کان فی قتلهم مصلحة المنع من تکرار هذا النوع من الذنوب الکبیرة فقد صار ذلک حسناً و صار العمل به أیضاً أمراً مرضیّاً.[7]

ج: لا شک أن عبادة عجل السامری لم تکن مسألة هینة، لأن بنی إسرائیل شاهدوا ما شاهدوا من آیات اللّه و معجزات نبیّهم موسى علیه السّلام، ثم نسوا ذلک دفعة، و خلال فترة قصیرة من غیاب النّبی انحرفوا تماما عن مبدأ التوحید و عن الدین الإلهی.

کان لا بدّ من اقتلاع جذور هذه الظاهرة الخطرة، کی لا تعود إلى الظهور ثانیة خاصة بعد وفاة صاحب الرسالة.

و من هنا کانت الأوامر الإلهیة بالتوبة شدیدة لم یسبق لها نظیر فی تاریخ الأنبیاء، و تقضی هذه الأوامر أن تقترن التوبة بإعدام جماعی لعدد کبیر من المذنبین، على أیدیهم أنفسهم.

طریقة تنفیذ هذا الإعدام لا تقل شدة عن الإعدام نفسه، فقد صدرت الأوامر الإلهیة أن یقتل المذنبون بعضهم بعضا، و فی ذلک عذابان للمذنب: عذاب قتل الأصدقاء و المعارف على یدیه، و ما ینزل به- هو نفسه- من عذاب القتل.

و جاء فی الأخبار أن موسى أمر فی لیلة ظلماء کل الجانحین إلى عبادة العجل، أن یغتسلوا و یرتدوا الأکفان و یعملوا السیف بعضهم فی البعض الاخر.

و لعلک تسأل عن السبب فی قساوة هذه التوبة و لماذا لم یقبل اللّه تعالى منهم التوبة دون إراقة للدماء؟

الجواب: إن السبب فی شدّة هذا الحکم- کما ذکرنا- یعود إلى عظمة الذنب الذی ارتکبوه بعد کل ما شاهدوه من آیات و معاجز، و إلى أن هذا الذنب یهدّد وجود الدعوة و مستقبلها لإن اصول و مبادئ جمیع الأدیان السماویة یمکن اختزالها فی التوحید، فلو تزلزل هذا الأصل فإن ذلک یعنی انهیار جمیع اللبنات الفوقیة و المبانی الحضاریة للدین، فلو تساهل موسى علیه السّلام مع ظاهرة عبادة العجل، لأمکن أن تبقى سنّة فی الأجیال القادمة، خاصة و أن بنی إسرائیل کانوا على مرّ التاریخ قوما متعنتین لجوجین.و لا بدّ إذن من عقاب صارم یبقى رادعاً للأجیال التالیة عن السقوط فی هاویة الشرک.

و لعل فی عبارة قوله تعالى: "ذلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ" إشارة إلى هذا المعنی.[8]

و فی الختام: إن من الضروری ذکر هذه الملاحظة و هی أن أشد العقوبات الدنیویة لا یمکن مقارنتها بأیسر عذاب الآخرة، و علی هذا الأساس فإذا استطاع شخص أن یتحمّل عقوبة –مهما کانت شدیدة- لکی ینقذ نفسه من المشقّات التی یستحقّها فی یوم المعاد فإنه یکون قد قام بتجارة مربحة، و نحن نعتقد أن الحدود و العقوبات الإلهیة فی هذه الدنیا سوف تکون کفارة لذنوب من تکون توبتهم خالصة.

و تأمّلوا فی هذه الروایة:

"اُتی أمیر المؤمنین (ع) بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أیدیهم من نصف الکفّ و ترک الإبهام و لم یقطعها و أمرهم أن یدخلوا دار الضیافة و أمر بأیدیهم أن تعالج فأطعمهم السمن و العسل و اللحم حتی برئوا فدعاهم فقال: یا هؤلاء أن أیدیکم قد سبقت الی النار فإن تُبتم و علم الله منکم صدق النیة تاب الله علیکم و جررتم أیدیکم الی الجنة و ان لم تقطعوا و لم تنتهوا عما أنتم علیه جرتکم أیدیکم الی النار".[9]

و فیما یرتبط بقتلی بنی إسرائیل أیضاً یوجد هناک أحد احتمالین:

1-إما أن یکون هؤلاء قد تابوا ففی هذه الحالة سیدخلون الی جنة الخلد التی تهون فی سبیل الحصول علیها کل الصعاب و المشاق.

2- أو أن یکونوا قد ثبتوا علی عقیدتهم الباطلة، فعقوبة الموت –مع کونهم شاهدوا الآیات و المعاجز- قلیلة فی حقهم.



[1]  البقرة، 54.

[2]  الصافات، 105.

[3]  تفسیر المیزان، ج1، ص288 (بتصرف) منشورات جامعة مدرسی الجوزة العلمیة، قم 1374 ش.

[4]  الکاشانی، الملا فتح الله، تفسیر منهج الصادقین فی إلزام المخالفین، ج1، ص192، منشورات مکتبة محمد حسن العلمی، طهران، سنة الطبع 1336 ش.

[5]  تفسیر منهج الصادقین فی إلزام المخالفین، ج1، ص192.

[6]  تفسیر منهج الصادقین فی إلزام المخالفین، ج1، ص192.

[7]  مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج1، ص179.

[8]  مکارم الشیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏1، ص: 22، ناشر مدرسة الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام، 1421 هـ، الطبعة الأولى، قم المقدسة.

[9]  الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، ج7، ص266 ح31، دار الکتب الإسلامیة، طهران 1365 هـ.ش.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    266615 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    187806 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    109830 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    102985 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    74476 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    49796 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    49619 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    40809 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    39178 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    39078 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...