بحث متقدم
الزيارة
5951
محدثة عن: 2008/11/17
خلاصة السؤال
کیف طلب النبی سلیمان (ع) الملک و التسلط بعد موت ابنه، بینما نری الامام الحسین (ع) یقول: "بنیّ علی الدنیا بعدک العفا"؟
السؤال
ورد ان النبی سلیمان (ع) بعد موت ابنه دعا حین نزول هذه المصیبة قائلاً "قال رب اغفر لی وهب لی ملکا لا ینبغی لأحد من بعد انک انت الوهاب". ای انه طلب الملک و التسلط دون ان یظهر منه نظرة الیأس الی‌ الدنیا.
اما فی حادثة کربلاء فنحن نری ان الامام الحسین (ع) و هو الاسوة و المثال فی الصبر و الاستقامة، یقول مخاطباً جثة ولده علی الاکبر (ع): "یا علی علی الدنیا بعدک العفا".
فاذا کان فی قول سلیمان (ع) و فعله فضیلة طبقاً لما ورد فی القرآن فی الآیة المذکورة، فکیف تحلّون هذا التناقض القولی و الفعلی للامام الحسین (ع)؟ ارجو ان تجیبوا استناداً الی أدلة کافیة نقلیة و عقلیة.
الجواب الإجمالي

رغم ان کلام النبی سلیمان (ع) هذا یحکی عن عظمة الروح و مقام الیقین بالرحمة الالهیة اللامتناهیة و هو أفضل بکثیر بالنسبة للناس العادیین و لکنه لیس قابلاً للمقازنة بالنسبة للحالات الخاصة للامام الحسین (ع)؛ لان هذه الآیات أولاً: تحکی بشکل ما عن ان النبی سلیمان (ع) ابتلی فی لحظة بالذنب (بمعنی ترک الاولی طبعاً) و یعتبر فقد الابن نوعاً من العقوبة. و ثانیاً: ان الابن الذی فقده کان ناقص الخلقة و کان ذلک فی اوائل ولادته، و فقد مثل هذا الابن لا یوجب عادة اثارة العواطف الانسانیة. لکن الامام الحسین (ع) قال هذا الکلام فی یوم عاشوراء فی حالة کونه اولاً: فی قمة کمال المعرفة و العشق لله. و ثانیاً: انه یقدم فی سبیل الله ولده الذی کان أشبه الناس خلقاً و خلقاً و منطقاً بالنبی الخاتم‌ (ص).

فالبکاء و الحزن لفقدان مثل هذا الابن و بمثل تلک الصورة المؤلمة التی تحرق القلوب هو اولاً: طبیعی جداً، و ثانیاً: یکشف عن جامعیة وجود الامام حیث انه فی ذات الوقت الذی یکون شجاعاً قوی القلب راسخا و ثابتا فی میدان الجهاد، یکون له قلب مفعم بالحب و العاطفة. و ثالثاً: ان هذه الجملة تحکی عن قمة التضحیة للامام حیث انه قدم أعز ما یملک فداءً  و تضحیة فی سبیل الله و بناء علی هذا، فکلام الامام لیس فقط لا یحکی عن حالة الیأس و القنوط من الرحمة الالهیة، بل هو یحکی عن الامل و الایمان العمیق جداً بالحیاة الاخرویة الخالدة.

الجواب التفصيلي

نقلت حکایات و روایات کثیرة فی الکتب التفسیریة او التاریخیة بخصوص شأن نزول الآتیین 34 و 35[1] من سورة (ص) ، و أفضل ما یمکن قبوله منها – بملاحظة مقام العصمة للنبی سلیمان (ع) – هو ما یلی:[2]

ان سلیمان کان یتمنی ان یرزق أولاداً کرماء شجعاناً یعینونه فی ادارة البلد و خصوصاً فی جهاد العدو. و کان له زوجات عدیدة فقال فی نفسه: "انی اقاربهن لیکون لی منهن اولاد عدیدون یعینونی فی مهمتی، و لکونه غفل عن قول (ان شاء الله) بعد تمام حدیثه مع نفسه، تلک العبارة التی تبین توکل الانسان علی الله سبحانه و تعالی فی کل الامور و الاحوال فلم یرزق سوی ولد میت ناقص الخلقة جیئ به و القی علی کرسی سلیمان (ع). فغرق سلیمان (ع) هنا فی تفکیر عمیق و تألم لکونه غفل عن الله لحظة واحدة و اعتمد علی قواه الذاتیة فتاب الی الله و عاد الیه.[3]

و هذه الآیات أولاً: تحکی بشکل ما عن ان النبی سلیمان (ع) ابتلی فی لحظة بالذنب (بمعی ترک الاولی طبعاً) و یعتبر فقد الابن نوعاً من العقوبة، و ثانیاً: ان الابن الذی فقده کان ناقص الخلقة و کان ذلک فی اوائل ولادته، و فقد مثل هذا الابن لا یوجب عادة إثارة العواطف الانسانیة، لکن الامام الحسین (ع) قال تلک العبارة فی یوم عاشورا، فی حالة کونه اولاً: فی قمة کمال المعرفة و العشق لله، و ثانیاً: انه یقدم فی سبیل الله ولده الذی کان أشبه الناس خلقا و خلقا و منطقاً بالنبی الخاتم (ص)، و هو الشاب الذی ضحی بنفسه لامام زمانه، و کان یقول فی مسیره الی ساحة الحرب:

أنا علی بن الحسین بن علی             من عصبة جد أبیهم النبی‏

و الله لا یحکم فینا ابن الدعی             أطعنکم بالرمح حتى ینثنی‏

اضربکم بالسیف أحمی عن أبی          ضرب غلام هاشمی علوی.[4]

فالبکاء و الحزن علی فقد مثل هذا الابن و فی مثل تلک الصورة المؤلمة و التی تحرق القلوب هو اولاً: طبیعی جداً و ثانیاً: یکشف عن جامعیة وجود الامام حیث انه فی ذات الوقت الذی یکون فیه شجاعاً قوی القلب ثابتا و راسخاً فی الجهاد یکون له قلب مفعم بالحب و العاطفة، حیث ان الامام منبع لکل الکمالات الانسانیة، و الحب و العاطفة هی من الکمالات الانسانیة، و قد روی لنا التاریخ ان النبی الخاتم (ص) کان یبکی فی موت ابنه ابراهیم و یقول فی جواب السائل عن سبب بکائه: لیس هذا بکاء و انما هو رحمة و من لا یرحم لا یرحم".[5]

و تقول السیدة فاطمة الزهرا (ص) أیضاً عند قبر أبیها النبی الخاتم (ص): نَادَتْ یَا أَبَتَاهْ انْقَطَعَتْ بِکَ الدُّنْیَا بِأَنْوَارِهَا وَ زَوَتْ زَهْرَتُهَا وَ کَانَتْ بِبَهْجَتِکَ زَاهِرَةً فَقَدِ اسْوَدَّ نَهَارُهَا فَصَارَ یَحْکِی حَنَادِسَهَا رَطْبَهَا وَ یَابِسَهَا یَا أَبَتَاهْ لَا زِلْتُ آسِفَةً عَلَیْکَ إِلَى التَّلَاقِ یَا أَبَتَاهْ زَالَ غَمْضِی مُنْذُ حَقَّ الْفِرَاقُ یَا أَبَتَاهْ مَنْ لِلْأَرَامِلِ وَ الْمَسَاکِینِ وَ مَنْ لِلْأُمَّةِ إِلَى یَوْمِ الدِّین‏

".[6]

ثالثاً: ان هذه الجملة التی قالها الامام عند الجسد المقطع لولده علی الاکبر "یا علی! علی الدنیا بعدک العفا"، تشیر الی منزلة علی الاکبر العظیمة لدی الامام حیث جعل وجوده مساویاً لحیاة الامام.

رابعاً: انه یحکی عن قمة تضحیة الامام حیث قدم أعز ما یملک فی سبیل الله. مضافاً الی جمیع ما تقدم، فهل أن الشخص الذی یکون فی أتم السلامة هو و أولاده و یقدم ذلک کله لأجل رضا الله، هو الذی یکون الاوثق بالرحمة الالهیة او من فقد ابناً ناقص الخلقة و هو یطلب فی تلک الحال السلطنة العالمیة؟ رغم ان کلام النبی سلیمان (ع) هذا یکشف أیضاً عن عظمة الروح و مقام الیقین بالرحمة الالهیة اللامتناهیة و هو أفضل بکثیر بالقیاس الی الناس العادیین، و لکنه لیس قابلاً للقیاس مع حالات الامام الحسین (ع) الخاصة.

و بناء علی هذا، فکلام الامام لیس فقط لا یحکی عن حالة الیأس و القنوط من الرحمة الالهیة بل هو یحکی عن الامل و الایمان العمیق جداً بالحیاة الاخرویة الخالدة. اضافة الی ان هذه الجملة من الامام تکشف عن طبیعة الاوضاع السیئة فی ذلک العصر، کما یظهر من کلام الامام الحسین (ع) فی باقی الموارد علّة سخطه علی الحیاة الدنیویة حیث قال فی مسیره الی کربلاء: "ان هذه الدنیا قد تغیرت و تنکرت و أدبر معروفها فلم یبق منها الا صبابة کصبابة الاناء و خسیس عیش کالمرعی الوبیل ألاترون ان الحق لا یعمل به و ان الباطل لا یتناهی عنه، لیرغب المؤمن فی لقاء الله محقاً فانی لا أری الموت الاسعادة و لا الحیاة مع الظالمین الا برما ان الناس عبید الدنیا و الدین لعق علی ألسنتهم ...".[7] و فی کلام آخر له (ع) یکرر ان علّة سخطه علی الدنیا هو هتک الحرمات و استشهاد اولیاء الله.

یقول الامام زین العابدین (ع): "خرجنا مع الحسین فما نزل منزلاً و لا ارتحل عنه الا و ذکر یحیی بن زکریا و قال یوماً: من هو ان الدنیا علی الله ان رأس یحیی أهدی الی بغی من بغایا بنی اسرائل".[8]

و قال الامام الحسین (ع) أیضاً عند استشهاد علی الاکبر "قتل الله قوما قتلوک ما أجراهم علی الرحمن و علی رسوله و علی انتهاک حرمة الرسول".[9]



[1] "و لقد فتنا سلیمان و القینا علی کرسیه جسداً ثم أناب. قال رب اغفر لی وهب لی ملکاً لا ینبغی لاحد من بعدی انک انت الوهاب". صاد، 35.

[2] حول تفسیر هاتین الآتین و ترک سلیمان الاولی و الاشکالات و الاجوبة المتعلقة بطلب السلطنة المنحصرة بالنبی سلیمان (ع) یراجع: تفسیر المیزان، ج 17، ص 404، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏14، ص: 513.، معرفة الطریق و المرشد، الاستاذ مصباح، ص 174.

[3] الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج ‏14، ص 513.

[4] بحار الانوار، ج 45، ص 43.

[5] وسائل الشیعة، ج 2 ابواب الدفن، باب 17، ص 922، الروایة، 8.

[6] بحار الانوار، ج 43، ص 174 -180.

[7] تحف العقول، الخطب القصیرة للامام الحسین (ع)، 427.

[8] بحار الانوار، ج 45، ص 229؛ لاحظ، پرسش ها و پاسخ های دانشجویی العرد، 13، ممثلیة السید القائد فی الجامعات،‌ المرکز الثقافی، دائرة المشاورة و الاجوبة.

[9] بحار الانوار، ج 45، ص 44.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    264000 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    164617 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    107323 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    102039 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    61698 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    48649 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    46716 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    38319 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    37711 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    37247 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...