بحث متقدم
الزيارة
6075
محدثة عن: 2011/11/13
خلاصة السؤال
و صف النبی الاکرم (ص) المرأة الحسناء فی أسرة سیئة بخضراء الدمن، ماذا یقصد الرسول (ص) من هذا التشبیه؟
السؤال
و صف النبی الاکرم (ص) المرأة الحسناء فی أسرة سیئة بخضراء الدمن حیث قال: "إیاکم و خضراء الدمن..."، ماذا یقصد الرسول (ص) من هذا التشبیه؟
الجواب الإجمالي

لیس المراد من الحدیث تحریم او کراهة الزواج من الشابة الجمیلة التی تعیش فی منبت سوء، بل المراد أن هناک الکثیر من العوامل التی لها مدخلیة و دور فاعل فی تحقیق الزواج الناجح و تشکیل الاسرة المتکاملة؛ من قبیل الاخلاق، الجمال، التدین، اصالة النسب، درجة التعلم و المعرفة، الانسجام الثقافی، التناسب الاقتصادی و...... و أن الحالة المثلى فی الزواج هی التی یلحظ فیها جمیع تلک الشواخص و عوامل النجاح تلک، لکن هناک بعض الشباب من ینظر الى القضیة من زاویة واحدة و یفرط فی الترکیز على بعد من تلک الابعاد متجاهلا العوامل الاخرى. من هنا حذرهم (ص) من النظرة الاحادیة الجانب و دراسة الامور دراسة تجزیئیة ناقصة و لا ینبغی للمسلمین اقصاء العقل و التجربة من الحیاة الاجتماعیة و اتخاذ القرارات المستعجلة فان فی ذلک مردودات سلبیة خطرة جداً.

الجواب التفصيلي

قال رسول الله (ص) من ضمن خطبة له: "أَیُّهَا النَّاسُ إِیَّاکُمْ وَ خَضْرَاءَ الدِّمَنِ! قِیلَ: یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ؟ قَال: الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِی مَنْبِتِ السَّوْء".[1]

فهل مراده (ص) نفی الاهتمام بالبعد الجمالی فی المرأة عند اختیارها کزوج؟

أو هل مراده (ص) أنه لا یلیق بالانسان الصالح الزواج من إمرأة یوجد من بین أهلها و اقاربها اناس غیر صالحین و أنهنّ یحرمن من هذا النعمة؟! أو المراد بان المحیط المناسب یعطی المجتمع نساء صالحات ؟! و....

یبدو أن النبی الاکرم (ص) لم یکن یقصد تلک الفروض الثلاثة، بل کان یروم الاشارة الى قضیة أخرى، هی:

هناک الکثیر من العوامل التی لها مدخلیة و دور فاعل فی تحقیق الزواج الناجح و تشکیل الاسرة المتکاملة؛ من قبیل الاخلاق، الجمال، التدین، اصالة النسب، درجة التعلم و المعرفة، الانسجام الثقافی، التناسب الاقتصادی و......

و أن الحالة المثلى فی الزواج هی التی یلحظ فیها جمیع تلک الشواخص و عوامل النجاح تلک، لکن هناک بعض الشباب من ینظر الى القضیة من زاویة واحدة و یفرط فی الترکیز على بعد من تلک الابعاد متجاهلا العوامل الاخرى، فعلى سبیل المثال قد یرکز الشاب على الجانب المعرفی و الشهادة التی تحملها المرأة التی یرید الارتباط بها، و کذلک المرأة قد یهمها هذا البعد فقط، أو یرکزان على البعد الجمالی و إهمال سائر الابعاد الاخرى مما ینجر فی نهایة المطاف الى بروز الکثیر من المشاکل الاسریة و العائلیة و التی قد تنجر الى الطلاق و الانفصال.

و لعل من أبرز تلک العوامل التی تجذب نظر الشباب و الشابات هو البعد الجمالی فی الزوجین فینظرون الى القضیة نظرة افراطیة مبالغ فیها جداً، مما یؤدی الى اتخاذ قرار غیر صائب فی الکثیر من الاحیان؛ و ذلک لان الجمال الظاهری قد ینجر الى خلق حالة من الحب الکاذب أو الخدّاع و الذی عبّر عنه الرسول الاکرم (ص): "حُبُّکَ لِلشَّیْ‏ءِ یُعْمِی وَ یُصِمُّ".[2]یعنی أن الحب و العشق الذی لم ینطلق من أسس منطقیة یمنع من اکتشاف العیوب الاخرى و لا یسمح للعاشق فی التفکیر بما یقال فی عیوب معشوقه و تحلیها تحلیلا سلیما لیخرج بنتیجة منطقیة و نافعة.

و هذا المعنى اشار الیه الادباء أیضا فی ابیاتهم الشعریة:

و عین الرضا عن کل عیب کلیلة                       و لکن عین السخط تبدی المساویا

و قیل لحکیم ما بال الناس لا یرون عیب أنفسهم کما یرون عیب غیرهم؟! قال: إن الإنسان عاشق لنفسه و العاشق لا یرى عیوب المعشوق‏.[3]

و لما کانت هذه القضیة متفشیة فی المجتمعات سواء التی عاصرها الرسول الاکرم (ص) أم الشعوب المعاصرة لنا، و مع الاخذ بنظر الاعتبار کون النبی (ص) یقوم بدور المبلغ و المرشد و الهادی و الآخذ بید الناس نحو النجاح فی جمیع المجالات، من هنا حذرهم من النظرة الاحادیة الجانب و دراسة الامور دراسة تجزیئیة ناقصة و لا ینبغی للمسلمین اقصاء العقل و التجربة من الحیاة الاجتماعیة و اتخاذ القرارات المستعجلة فان فی ذلک مردودات سلبیة کثیرة. و بعبارة أخرى: أنه (ص) یوصی الشباب فی اعتماد المنهج الصحیح فی اختیار الزوجین و لابد من النظر الى الامور نظرة موضوعیة یلحظ فیها البعد الجمالی الى جانب سائر الابعاد الاخرى کأصالة النسب حتى یعطی الزواج ثماره المرجوة منه. و من هنا اعتمد التشبیه المذکور "خضراء الدمن" و من الواضح أن هذا التشبیه یحکی الکثیر من المسائل؛ و ذلک لان الدمن و فضلات الحیوانات تساعد فی کثیر من الاحیان فی نمو النبات نموا سریعا و تضفی على المحصول نضارة و جمالا، و لکن مع ذلک لابد من التحرز و الحذر من ذلک الناتج و عدم الانبهار بنضارته وجماله، إذ لعله قد علقت به بعض الدیدان و المکروبات القاتلة، فلا بد من اختباره و تنقیته بالمواد المضادة للدیدان و المکروبات.

فاذا قام الانسان بالاختبار و الفحص و أطمأن الى سلامة المحصول من المواد الضارة حینئذ یقدم على الاستفادة منه و الانتفاع به بکل اطمئنان و راحة بال، و الا فلا یصح له الاقتراب منه و الانتفاع به.

انطلاقا من المثال المذکور نحاول تطبیق القضیة على الانسان الذی یعیش فی وسط عائلی بعید عن السلامة الاخلاقیة و الدینیة، حیث نرى بما لاریب فیه أن احتمال الخطر و الضرر متوفر فیه بدرجة لا یمکن للانسان الاقدام علیها اعتمادا على البعد الجمالی و رشاقة البدن مثلا، بل لابد من دراسة القضیة دراسة موضوعیة و التعمق فی البحث و التحقیق فی المخاطر و الانعکاسات الحاصلة من الاقدام على الزواج انطلاقا من هذا البعد فقط. فان عرف أن تلک الشابة او الشاب –لافرق بینهما من هذه الناحیة- قد تأثر بالمحیط الذی یعیش فیه تأثرا سلبیاً و أن أخلاقه متطابقة مع المحیط الذی عاشه مما یؤدی سلبا على العلاقة الزوجیة المقصودة و أنه لا یمکن بحال من الاحوال أن یکون عنصرا فعالا فی الرقی المعنوی للاسرة، فحینئذ من غیر المعقول الاقدام على هکذا زواج تعرف عواقبه الوخیمة من أول وهلة. لکن لو عرف بعد البحث و التحقیق ان الشاب او الشابة قد عاش الاستقلالیة فی تربیته الاخلاقیة و انه یختلف اختلافا جوهریا مع تلک الاسرة التی عاش فیها، فلا ریب أن الزواج حینئذ لا یعیش حالة الانحراف و الخطر.

هذا من جهة الزوجین، و لکن هناک بعد آخر و هو ان الاسر بعد الزواج ستختلط و ستکون هناک علاقات متبادلة فعلى الشباب مراعاة هذا العنصر لمعرفة مدى تأثیرها تلک العلاقات على مستقبلهم، و من هنا قال النَّبِیُّ (ص): "اخْتَارُوا لِنُطَفِکُمْ فَإِنَّ الْخَالَ أَحَدُ الضَّجِیعَیْنِ".[4]

قد یقال: اذا کان الامر کذلک لماذا اختار الرسول الاکرم (ص) الزواج من أم حبیبة بنت أبی سفیان؟

جوابه: أن زواج النبی (ص) منها بعد ان تجردت عن کل العلائق الاسریة مع ابیها و اسرتها و هاجرت مع زوجها الاول و بعد ان توفی زوجها تزوجها النبی الاکرم (ص)  و الشاهد على تجردها المعنوی و الاخلاقی عن العائلة الامویة، أنه لما دخل علیها ابوها ابو سفیان فذهب لیجلس على الفراش فأَهوَتْ إِلى الفراش فطوتهُ! فقال: یا بنیَّةُ أَ رغبةً بهذا الفراش عنِّی؟! قالت: نعمْ، هذا فراشُ رسول اللَّهِ (ص) ما کنتَ لتجلِسَ علیْهِ و أَنْتَ رِجْسٌ مُشْرِک‏.[5]

هذا من جهة، و من جهة أخرى شخصیة الرسول الاکرم (ص) لم تکن تلک الشخصیة التی یخاف علیها من امثال أبی سفیان أو غیره.


[1] الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، ج 5، ص 332، دار الکتب الإسلامیة، طهران، 1365 هـ ش.

[2] الصدوق، من لا یحضره الفقیه، ج 4، ص 380، مؤسسة النشر الإسلامی، قم، 1413 هـ ق.

[3] شرح‏نهج‏البلاغة ج : 7 ص : 207.

[4]الکافی ج : 5 ص : 332.

[5] بحارالأنوار ج : 21 ص : 126.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279717 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257961 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128468 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114118 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89183 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60231 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59824 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57032 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50320 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47375 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...