بحث متقدم
الزيارة
3888
محدثة عن: 2014/05/18
خلاصة السؤال
کیف یمکن اشعال النار من الشجر الأخضر؟
السؤال
السلام علیکم و رحمة الله وبرکاته قال تعالى: ( الَّذِی جَعَلَ لَکُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) کیف یمکن اشعال النار من الشجر الأخضر, ما معنى هذه الآیة الکریمة؟
الجواب الإجمالي
ذکر المفسرون مجموعة من الوجوه التفسیریة لقوله تعالى " الَّذی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون"، منها:  ما ذهب الیه الکثیر من المفسّرین القدماء. و هو بسیط و واضح  یمکن فهمه و استیعابه من قبل الغالبیة و هو: أنّ المراد هو شجر «المرخ و العفار» الذی کان العرب قدیما یأخذون منهما على خضرتهما، فیجعل العفار زندا أسفل و یجعل المرخ زندا أعلى، فیسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن اللّه. و فی الواقع فهو یمثّل الکبریت فی عصرنا الحالی. و اللّه سبحانه و تعالى یرید القول بأنّ الذی یستطیع إشعال النار من هذا الشجر الأخضر له القدرة على إلباس الموتى لباس الحیاة. فالماء و النار شیئان متضادّان، فمن یستطیع جعلهما معا فی مکان واحد، قادر على جعل الحیاة و الموت معا فی مکان واحد. فالذی یخلق (النار) فی قلب (الماء) و (الماء) فی قلب (النار) فمن المسلّم أنّ إحیاء بدن الإنسان المیّت لا یشکّل بالنسبة له أدنى صعوبة.
وهناک تفسیران آخران ذکرناهما فی الجواب التفصیلی.
و مع ملاحظة تلک الوجوه العمیقة الثلاثة یتضح لنا عدم التناقض فی الآیة المبارکة و ان سیاقها منسجم تمام الانسجام بعضه مع البعض الآخر. فالآیة مسوقة لرفع استبعاد جعل الشی‏ء الموات شیئا ذا حیاة و الحیاة و الموت متنافیان.
الجواب التفصيلي
قال تعالى فی کتابه المجید: " قُلْ یُحْییهَا الَّذی أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِکُلِّ خَلْقٍ عَلیمٌ *
الَّذی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون".[1]
کما نعلم فإنّ الآیات القرآنیة لها معان متعدّدة من أبعاد مختلفة- فبعض معانیها واضح للغالبیة من الناس فی کلّ زمان و مکان، و بعضها عمیق یختصّ بفهمه البعض، و أخیرا فإنّ بعضها الآخر یتمثّل فیه العمق الذی لا یستطیع سبر غوره إلّا الخواص من العبّاد، و فی نفس الوقت فإنّ تلک المعانی لا تنافی بعضها البعض، بل إنّها تجمع کلّها فی قالب واحد و فی آن واحد. و من هنا  ذکر المفسرون لهذه الآیة المبارکة ثلاثة تفسیرات تتفاوت فی العمق:
الاول. الذی قال به الکثیر من المفسّرین القدماء. و هو بسیط و واضح  یمکن فهمه و استیعابه من قبل الغالبیة و هو: أنّ المراد هو شجر «المرخ و العفار» الذی کان العرب قدیما یأخذون منهما على خضرتهما، فیجعل العفار زندا أسفل و یجعل المرخ زندا أعلى، فیسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن اللّه. و فی الواقع فهو یمثّل الکبریت فی عصرنا الحالی[2]. و اللّه سبحانه و تعالى یرید القول بأنّ الذی یستطیع إشعال النار من هذا الشجر الأخضر له القدرة على إلباس الموتى لباس الحیاة. فالماء و النار شیئان متضادّان، فمن یستطیع جعلهما معا فی مکان واحد، قادر على جعل الحیاة و الموت معا فی مکان واحد. فالذی یخلق (النار) فی قلب (الماء) و (الماء) فی قلب (النار) فمن المسلّم أنّ إحیاء بدن الإنسان المیّت لا یشکّل بالنسبة له أدنى صعوبة.[3]
الثانی: وهو تفسیر أدقّ حاصله: إنّ خاصیّة تولید النار بواسطة خشب الأشجار، لا تنحصر بخشب شجرتی « المرخ و العفار» بل إنّ هذه الخاصیة موجودة فی جمیع الأشجار و جمیع الأجسام الموجودة فی هذا العالم و إن کان لشجرتی المرخ و العفار- لتوفّر خصائص فیها- استعداد أکثر من غیرهما على هذا الأمر.
خلاصة القول، إنّ جمیع خشب الأشجار إذا حکّ ببعضه بشکل متواصل فإنّه سیطلق شرر النار و حتّى (خشب الشجر الأخضر).
لهذا السبب تقع فی بعض الأحیان حرائق هائلة فی بعض الغابات الملیئة بالأشجار، لا یعرف لها سبب من قبل الإنسان، إلّا أنّ هبوب الریح الشدیدة التی تضرب أغصان الأشجار ببعضها بشدّة ممّا یؤدّی إلى انقداح شرر منها یؤدّی إلى اشتعال النار فیها، و تساعد الریح الشدیدة على سرعة انتشارها، فالعامل الأصلی کان تلک الشرارة الناتجة عن الاحتکاک.
هذا التّفسیر الأوسع، هو الذی یوضّح عملیة جمع الأضداد فی الخلق. و یبسط  مفهوم وجود (البقاء) فی (الفناء) و بالعکس.[4]
التفسیر الثالث: یعتبر أعمق بکثیر من التّفسیرین السابقین. و الذی ظهر إلى الواقع نتیجة جهود العلماء فی عصرنا الحاضر و قد اخترنا أن نطلق علیه تسمیة «انبعاث الطاقة».
و توضیح ذلک کما یلی: إنّ من أهمّ الوظائف التی تقوم بها النباتات هی عملیة «الترکیب الضوئی» و التی تعتمد أساسا على أخذ غاز «ثانی اوکسید الکربون» من الهواء، و الإفادة منه بواسطة «المادّة الخضراء» أو ما یسمّى «بالکلورفیل» لصنع الغذاء بمساعدة الماء و ضوء الشمس. ذلک الغذاء الذی یؤدّی إلى تکوّن حلقات السلیلوز فی النباتات من ذوات الفلقتین، و یکون ناتج عملیة الترکیب الضوئی الأوکسجین الذی یطلق فی الهواء مرّة اخرى.
و لو نظرنا إلى العملیة بطریقة اخرى فإنّ النباتات تأخذ الغاز (ثانی أوکسید الکاربون) و تجزّئه أثناء عملها لتحتفظ بالکاربون مرکّبا مع غیره من الماء لتکوّن الخشب و تطلق الأوکسجین.
و المهمّ هنا أنّ العلماء یقولون: بأن أیّة عملیة ترکیب کیمیاوی تحتاج إلى طاقة ما لکی یتمّ ذلک التفاعل الکیمیاوی، أو أنّ ذلک التفاعل یؤدّی إلى إطلاق طاقة کناتج عنه. و بناء علیه فإنّ التفاعل الذی یتمّ نتیجة الترکیب الضوئی إنّما یستفید من الشمس کمصدر للطاقة لإتمام التفاعل.
و علیه فالشجرة إنّما تقوم بادّخار هذه الطاقة فی الخشب الذی یتکوّن نتیجة لهذه العملیة. و عند ما نقوم نحن بحرق هذا الخشب فإنّنا إنّما نقوم بإطلاق عقال هذه الطاقة المدّخرة. و بذا فإنّنا نقوم بإعادة ترکیب (الکاربون) مع (الأوکسجین) لینتج (ثانی أوکسید الکاربون) الذی ینطلق فی الهواء مرّة اخرى، بالإضافة إلى بخار الماء.
و لو تحدّثنا بلغة أخرى لقلنا: إنّ تلک الحرارة الناجمة عن اشتعال الحطب فی  المواقد البیتیة القرویة أو مواقد الفحم التی نستعملها فی بیوتنا أحیانا للتدفئة فی فصل الشتاء، هی فی الحقیقة حرارة و نور الشمس التی ادّخرت فی خشب هذه الأشجار لسنوات، و ما جمعته الشجرة على مدى عمرها من الشمس تعیده دفعة واحدة بدون نقص.
و یقال إنّ کلّ الطاقات فی الکرة الأرضیة تعود إلى الشمس أساسا، و واحد من مظاهره ما ذکرنا.
و من هنا نلاحظ أنّ النور و الحرارة المبعثرة فی الجو و التی تقوم الأشجار بجمعها فی أخشابها لتنمو فإنّها لا تفنى أبدا. بل إنّها تتبدّل شکلا. و تختفی بعیدا عن أعیننا فی کلّ ذرّة من ذرّات الخشب، و عند ما نقوم بإیقاد النار بقطعة من الحطب، فإنّ انبعاثها یبدأ، و جمیع ما کان فی ذرّات الخشب من النور و الحرارة و طاقة الشمس، فی تلک اللحظة- لحظة الحشر و النشر- تظهر من جدید. بدون أن ینقص منه حتّى بمقدار إضاءة شمعة واحدة (تأمّل بدقّة).[5]
و مع ملاحظة تلک الوجوه العمیقة الثلاثة یتضح لنا عدم التناقض فی الآیة المبارکة و ان سیاقها منسجم تمام الانسجام بعضه مع البعض الآخر. فالآیة مسوقة لرفع استبعاد جعل الشی‏ء الموات شیئا ذا حیاة و الحیاة و الموت متنافیان. و الحال إنه لا استبعاد فیه فإنه هو الذی جعل لکم من الشجر الأخضر الذی یقطر ماء نارا فإذا أنتم منه توقدون و تشعلون النار، فحصول الحی من المیت لیس بأعجب من انقداح النار من الشجرة الخضراء و هما متضادان.[6]
 

[1]  یس، 79- 80.
[2]  مکارم الشیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج‏14، ص: 246، نشر مدرسة الإمام علی بن أبی طالب (ع)، قم، الطبعة الاولى، 1421 هـ.
[3]  نفس المصدر.
[4]  نفس المصدر، ص247- 248.
[5]  نفس المصدر، ص 248- 249.
[6]  الطباطبائی، سید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج ۱۷، ص ۱۱۲، مؤسسة النشر الإسلامی، قم، الطبعة الخامسة، 1417ق.
س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    258869 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    100173 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    98893 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    82388 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    44703 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    37748 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    36547 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    35446 الحقوق والاحکام 2010/07/29
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    33014 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    31131 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...