بحث متقدم
الزيارة
3852
محدثة عن: 2010/07/15
خلاصة السؤال
لماذا لم یجمع القرآن على أساس ترتیب النزول؟
السؤال
لماذا لم تجمع آیات القرآن الکریم على أساس ترتیب نزوله (المکی أولاً ثم المدنی)؟
الجواب الإجمالي

لم یصلنا أی نص من النبی(ص) یأمر بجمع القرآن على أساس ترتیب نزوله، و قد تم جمع القرآن على عدة مراحل، و قد جمع الإمام علی(ع) القرآن على أساس ترتیب نزوله، و لکن جمع الخلفاء اتخذ طریقه إلى العموم وشاع بین الناس فی نهایة الأمر، و قد أید أهل البیت القرآن الحاصل من هذا الجمع بشکل کامل.

الجواب التفصيلي

هناک ثلاث نظریات فی جمع القرآن:[1]

1ـ إن آیات کل سورة تنزل بشکل کامل، و ما لم تتم السورة النازلة لم یبدء نزول السورة الأخرى.

2 ـ ینزل عدد من الآیات من کل سورة، حتى تکتمل السور بالتدریج. و السؤال الذی یمکن أن یطرح فی هذا الفرض هو: هل أن موضع الآیات فی السور المختلفة کان بأمر رسول الله(ص)، أم أن هذا العمل تم فی عهد الصحابة؟

3 ـ إن ترتیب الآیات و السور بشکله الحالی قد تم فی عهد الصحابة.

مناقشة النظریة الأولى:

یورد السیوطی فی (الإتقان) عدة روایات تشیر إلى أن النبی (ص) و المؤمنین إنما کانوا یعلمون تمام السورة بنزول البسملة[2] وهذه الروایات تدل بشکل ضمنی على أن نزول القرآن على النبی(ص) کان سورة بعد سورة، حیث تبدأ السورة اللاحقة بعد اکتمال السورة السابقة. لکن کل العلماء متفقون على نزول عدد من الآیات فقط من أول سورة العلق فی بدایة البعثة.[3] و بعض الأحیان کانت تنزل الآیة الواحدة فیضعها النبی(ص) فی مکانها المناسب من السورة.[4] فهذا الفرض إذن لا یعتمد علیه.

مناقشة النظریة الثانیة:

کما تقدم القول فی القسم الأول فإن الآیات المتعددة تنزل على النبی(ص) فیضع کل واحدة منها فی موضعها المناسب فی السور المختلفة. و أما فی الجمع الأول فی عهد أبی بکر و الجمع الثانی فی عهد عثمان فلم یحصل أی تغییر لمواضع الآیات، و لم یکن یحصل أی تدخل فی ترتیب الآیات. و مع أن بعض السور القرآنیة نزلت دفعة واحدة (کسورة الفاتحة)[5] و لکن بعض السور القرآنیة (السور الطوال) نزلت بالتدریج فکانت تنزل فی عرض بعضها أحیاناً (یعنی أن مقداراً من کل سورة ینزل فی زمن واحد حتى تکتمل السور بالتدریج).

یقول المرحوم الطبرسی فی هذه المسألة: « و کانت إذا نزلت فاتحة سورة بمکة کتبت بمکة ثم یزید الله فیها ما یشاء بالمدینة».[6]على هذا یکون اعتبار المکی والمدنی تابعاً لبدایة نزول کل سورة.

إذاً فترتیب الآیات و وضعها فی أماکنها کان بأمر من رسول الله(ص) و أما فی زمن عثمان فقد جمعت نسخ القرآن المختلفة، و على کل شخص یرید إثبات ما هو موجود فی نسخته دون النسخ الأخرى علیه أن یأتی بشاهدین یؤکدان على أنهما سمعا هذه الآیة أو الآیات من رسول الله(ص) حتى توضع فی مکانها.[7]

مناقشة النظریة الثالثة:

فی مورد ترتیب الآیات یوجد ما یقرب[8] من الاتفاق فی وجهات النظر فیما یخص ترتیب الآیات، و أنه تم بأمر من رسول الله(ص) و کان أمراً توقیفیاً.[9] و لکن بعض القرائن تدل ـ کما تقدم ـ على أن ترتیب السور تم فی زمن الصحابة.[10] مع وجود بعض الروایات التی تدل على أن القرآن جمع فی زمن النبی الأکرم(ص)[11] و إذا قبلنا هذا القول ـ وهو قول قوی ـ یکون جمع القرآن قد مر بثلاث مراحل: الأولى فی زمن النبی(ص)، و الثانیة فی زمن الخلیفة الأول و الثانی، و الثالثة فی زمن الخلیفة الثالث.[12]

جمع القرآن:

جمع القرآن فی عهد رسول الله(ص) و بأمره و بواسطة بعض الصحابة، و هذا الجمع یتمثل بکتاب الوحی، و هذه الألواح المتفرقة و الآیات جمعت بین دفتین لتکون کتاباً واحداً فی زمن أبی بکر، و أما فی زمن عثمان فقد جمعت هذه المصاحف المتعددة التی کانت فی أیدی الناس و المبتلاة بتعدد القراءات لتوحیدها فی مصحف واحد.[13]

مصحف علی:

شرع الإمام علی(ع) بجمع القرآن بعد وفاة الرسول(ص) و من خصوصیات هذا المصحف أنه کان بترتیب دقیق على أساس نزول الآیات و السور.[14] أی أن المکی نزل قبل المدنی.[15] و لکن هذا القرآن لم یلق قبولاً من بعض الصحابة الذین یمسکون بالخلافة.[16] و لکن القرآن الذی جمع و أقر فی زمن الخلیفة الثالث کان مورد تأیید الإمام علی(ع).[17]

کلام آخر و نتیجة نهائیة:

على أساس ما تقدم یمکن استحصال النتیجة التالیة:

1ـ إن نزول الآیات القرآنیة التدریجی تارة یکون بشکل سورة کاملة، و أحیاناً تنزل عدد من الآیات فی سورة واحدة.

2ـ فی مسألة نزول الآیات القرآنیة یوجد نزول عرضی بین الآیات و السور القرآنیة المختلفة.

3 ـ إن عدداً من الصحابة جمع القرآن بأمر من رسول الله(ص) لا على أساس ترتیب النزول، و إنما بحسب اختیار رسول الله لمواضع الآیات.

4 ـ إن ترتیب الآیات کان بأمر من رسول الله، و کان أمراً توقیفیاً.

5 ـ إن ترتیب السور ـ على قول ـ کان فی زمن الصحابة و خصوصاً فی زمن عثمان بن عفان.

6ـ إن جمع القرآن فی زمن رسول الله(ص) یعنی کتابة الوحی، و إن جمع القرآن فی زمن الخلیفتین الأول و الثانی یعنی جمع هذه الألواح و القطع المتفرقة بین دفتین، و جعلها فی مجموعة واحدة. و أما فی زمن عثمان فمعنى جمع القرآن توحید القراءة التی ابتلیت بها المصاحف المتعددة.

7 ـ أن الإمام علیاً جمع القرآن على أساس ترتیب النول و حیث أن القرآن جمع فی عهد عثمان أیضاً فإن الإمام قبل و أقر هذه القرآن، فبادر إلى جمع قرآنه من أیدی الناس.


[1]  راجع السؤال 71 (الموقع: 314) و 1625 (الموقع: 1623).

[2] روی أبو داود و الحاکم و البیهقی و البزار من طریق سعید بن جبیر- على ما فی الإتقان،- عن ابن عباس قال": کان النبی (ص) لا یعرف فضل السورة- حتى تنزل علیه بسم الله الرحمن الرحیم- زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت و استقبلت- أو ابتدأت سورة أخرى.( انظر: تفسیر المیزان، ج12، ص127)

[3] معرفة، محمد هادی، علوم القرآن، ص76. مؤسسة التمهید، قم، 1378.

[4]  المصدر نفسه، ص77؛ ابن عاشور، التحریر والتنویر، ج10، ص90: روى الترمذی عن ابن عباس عن عثمان بن عفان قال: «کان رسول الله صلى الله علیه و سلم مما یأتی علیه الزمان و هو تنزل علیه السور ذوات العدد ـ أی فی أوقات متقاربة ـ فکان إذا نزل علیه الشیء دعا بعض من یکتب الوحی فیقول ضعوا هؤلاء الآیات فی السورة کذا».

[5]  علوم القرآن، ص76.

[6]  الطبرسی، فضل بن الحسن، مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج‏10، ص: 613، انتشارات ناصر خسرو، طهران، 1372 هجری شمسی، الطبعة الثالثة، تقدیم محمد جواد البلاغی؛ علوم القرآن، ص89.

[7]  العلامة الطباطبائی،المیزان فی تفسیر القرآن، ج‏12، ص:119،نشر جامعة المدرسین، قم، الطبعة الخامسة، 1417هـ.

[8]  ذهب الى خلاف هذا الرأی المتفق علیه من المفسرین الشیعة محمد بن حبیب الله السبزواری النجفی فی " الجدید فی تفسیر القرآن المجید" ج2، ص420؛ ومن غیر الامامیة الشوکانی فی "فتح القدیر" ج1،ص86.

[9]  السیوطی، الإتقان فی علوم القرآن، ج1، ص71؛ علوم القرآن، ص119.

[10]  الإتقان، ج1، ص69؛ البخاری، محمد بن إسماعیل، صحیح البخاری، ج4، ص1907، دار ابن کثیر، بیروت، 1407.

[11] علی بن سلیمان العبید، جمع القرآن حفظاً وکتابة، ص79، المطلب الأول: الأدلة على کتابة القرآن الکریم فی عهده (ص)، ما رواه البخاری و مسلم عن ابن عمر: «أن رسول الله (ص) نهى أن یُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو».

* و فی لفظ لمسلم أن رسول الله صلى الله علیه و سلم قال: «لا تسافروا بالقرآن، فإنی لا آمنُ أن یناله العدو».

[12]  المقریزی، أحمد بن علی، إمتاع الأسماع، ج4، ص239، دار الکتب العلمیة، بیروت 1420.

[13] انظر: جمع القرآن حفظاً وکتابة، ص70 (فی مورد جمع القرآن فی زمن النبی) ؛ الإتقان، ج1، ص67 و 69 (حول جمع أبی بکر و عثمان و ما یتعلق به).

[14]  کما قلنا وضعت بعض الآیات فی مکانها بامر من النبی الاکرم (ص).

[15]  علوم القرآن، ص121، محمد بن سعد، الطبقات الکبرى، ترجمة مهدوی دامغانی، ج2، ص324، انتشارات فرهنگ واندیشه، طهران، 1374.

[16] علوم القرآن، ص122.

[17] لما وصل الامام علی (ع) الکوفة قام رجل فذم عثمان لانه جمع الناس على مصحف واحد. فقال له (ع) : لا تقولوا فى عثمان إلا خیرا. فو اللَّه ما فعل الذى یفعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا. لو ولیت لفعلت فی المصاحف الذی فعل عثمان.(ابن اعثم الکوفی، الفتوح، ترجمه مستوفی هرویی، ص 997، انتشارات و آموزش انقلاب اسلامی، طهران، 1372؛ علوم قرآنی، ص 122-123.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260663 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    115572 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102778 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100418 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46120 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43408 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41622 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36810 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35028 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33208 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...